في محاولة جادة لإحياء رموز الفكر العربي وإعادة قراءة تراثهم في ضوء الدراسات الحديثة، يسلّط المركز القومي للترجمة الضوء على واحد من أبرز أعلام القرن الثامن عشر، من خلال إصدار كتاب «عالم مرتضى الزبيدي»، للمستشرق الألماني ستيفان رايخموت، بترجمة الأستاذ الدكتور محمد صبري الدالي.
يتناول الكتاب سيرة مرتضى الزبيدي، الذي لم يكن مجرد عالم تقليدي، بل مثّل حالة فريدة في تاريخ الثقافة العربية، حيث امتدت رحلته العلمية من جذوره في الهند إلى استقراره في القاهرة، التي شهدت ذروة إنتاجه الفكري والعلمي.
وتكشف الدراسة عن شبكة واسعة من العلاقات العلمية التي نسجها الزبيدي، والتي ضمت نخبة من العلماء والتلاميذ، ما جعله محورًا لحركة معرفية نشطة في عصره. كما يبرز الكتاب جانبًا مهمًا من مشروعه العلمي، من خلال معجمه غير المكتمل، الذي يُعد وثيقة توثيقية فريدة تعكس محيطه العلمي والإنساني، عبر تراجم معاصريه وكل من تواصل معهم في سنواته الأخيرة.
ولا يقتصر العمل على السرد التاريخي، بل يقدم قراءة تحليلية لأهم مؤلفات الزبيدي، وعلى رأسها «تاج العروس في شرح جواهر القاموس»، الذي يُعد من أعظم معاجم اللغة العربية، إلى جانب شرحه لكتاب «إحياء علوم الدين» للإمام أبو حامد الغزالي، والمعروف بـ«إتحاف السادة المتقين».
ويكشف الكتاب عن أبعاد أخرى في شخصية الزبيدي، حيث لم يقتصر اهتمامه على علوم اللغة والحديث والتصوف، بل امتد إلى مجالات العلوم الطبيعية والتجريبية والجغرافيا، في نموذج يعكس تداخل المعارف في تلك المرحلة، قبل التحولات الكبرى التي شهدها العالم مع بدايات العصر الصناعي.
ويؤكد هذا الإصدار أن سيرة الزبيدي ليست مجرد تاريخ لعالم، بل نافذة لفهم مرحلة ثرية من تطور الفكر العربي، حين كان العلم مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا، تتقاطع فيه الثقافات وتتسع فيه آفاق المعرفة، بهذا الطرح، يقدّم «عالم مرتضى الزبيدي» قراءة معاصرة لتراث أحد أعمدة اللغة العربية، ودعوة لإعادة اكتشاف عقلٍ موسوعي، لا تزال آثاره ممتدة في وجدان الثقافة العربية حتى اليوم.