يتداول الكثير من الناس عبارة «أكيد البدر مكتمل»، لتفسير مزاج متقلب، أو تصرف غريب، أو حتى ارتفاع مفاجئ في الحوادث؟
هذه العبارة المتداولة تعكس اعتقاداً قديما ترسخ في الثقافة الشعبية، مفاده أن اكتمال القمر يرتبط باضطراب السلوك والمشاعر لكن هل لهذا الاعتقاد أي أساس علمي؟ أم أنه مجرد إرث من الأساطير التي تناقلتها الأجيال؟.
جذور الأسطورة من الفلسفة القديمة إلى اللغة الحديثة
يرجع هذا الاعتقاد إلى قرون بعيدة، حين افترض الفيلسوف اليوناني أرسطو والمؤرخ الروماني بليني الأكبر أن الدماغ، لكونه «رطبا»، قد يتأثر بالقمر كما تتأثر مياه الأرض به وذهبا إلى أن اكتمال القمر قد يكون سببا في الجنون أو الصرع.
حتى اللغة احتفظت بأثر هذه الفكرة فكلمة lunatic (مجنون) في الإنجليزية مشتقة من الأصل اللاتيني lunaticus أي «المتأثر بالقمر».
فرضية المد البيولوجي نظرية جذابة لكنها غير دقيقة
في العصر الحديث، أعاد الطبيب النفسي أرنولد ليبر إحياء الفكرة في كتاباته، مقترحاً أن جسم الإنسان – الذي يتكون في معظمه من الماء – قد يتعرض لتغيرات شبيهة بالمد والجزر تبعا لمراحل القمر وذهب إلى أن معدلات الجرائم، والانتحار، وحالات الطوارئ النفسية، وحوادث السير قد ترتفع خلال البدر لكن هذه الفرضية، رغم جاذبيتها، لم تصمد أمام الفحص العلمي.
ماذا يقول العلم؟ الأرقام تنفي الارتباط
أظهرت دراسات في الفيزياء والفلك أن جاذبية الأرض تفوق جاذبية القمر بآلاف المرات، وأن تأثير القمر على جسم الإنسان لا يكاد يذكر فبينما يتحكم القمر في المد والجزر في المسطحات المائية الضخمة، فإن تأثيره على كوب ماء – أو جسم بشري – ضئيل للغاية.
وفي عام 1985، حلل باحثون نتائج 37 دراسة قارنت بين مراحل القمر ومعدلات الجرائم والانتحار ومكالمات مراكز الأزمات والحالات النفسية، ولم يجدوا أي علاقة تذكر.
بل إن دراسة لاحقة في فنلندا أظهرت أن جرائم القتل كانت أقل خلال البدر.
الخلاصة العلمية كانت واضحة أنه لا يوجد دليل موثوق يربط بين اكتمال القمر والسلوك البشري.
لماذا لا تزال الفكرة راسخة في أذهاننا؟
رغم نفي العلم، لا يزال الاعتقاد قائماً ويرجع علماء النفس ذلك إلى ما يعرف بـ«الارتباط الوهمي» و«التحيز التأكيدي»؛ إذ يميل الناس إلى ملاحظة الأحداث الغريبة عندما يكون القمر بدراً، ويتجاهلون بقية الأيام.
هناك تفسير آخر محتمل يرتبط بالنوم فقد يكون ضوء القمر الساطع في العصور القديمة أثر فعلا على نوم البشر، مما أدى إلى تقلبات مزاجية مرتبطة بقلة النوم.
بعض الدراسات الحديثة تشير إلى احتمال تأثر النوم بدورات القمر، لكن دون دليل مباشر على تغيرات سلوكية واسعة.
وتقول المعالجة النفسية إيمي مورين إن توقع الناس لحدوث أمور «غريبة» أثناء البدر قد يدفعهم فعلياً للتصرف بشكل مختلف، فيتحول الاعتقاد إلى ما يشبه النبوءة التي تحقق نفسها.
القمر بين العلم والروحانية
بعيداً عن المختبرات، يحتفظ القمر بمكانة روحية عميقة في ثقافات عديدة لدى بعض شعوب السكان الأصليين في الأمريكيتين، كان القمر وسيلة لتتبع الزمن، وحمل كل بدر اسما خاصا يعكس طبيعة الموسم كما ارتبطت به طقوس ورقصات تعبر عن الصلة بالطبيعة.
وفي علم التنجيم، ينظر إلى القمر باعتباره مرآة للعواطف والحدس، ويرى البعض أن التوافق مع مراحله وسيلة للعناية الذاتية والتأمل، حيث يُعتقد أن البدر وقت للتأمل، والقمر الجديد وقت لتحديد الأهداف.
بين الحقيقة والأسطورة
رغم أن العلم حسم الجدل بعدم وجود تأثير مباشر للقمر على سلوك الإنسان، فإن «جنون البدر» يظل مثالا حيا على قوة الموروث الثقافي في تشكيل قناعاتنا.
فالقمر، حتى وإن لم يكن يحرك مشاعرنا كما نظن، يظل رمزاً ملهماً في السماء، يجمع بين الشعر والأسطورة والروحانية والعلم أيضا.




