قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب : بحثًا عن التوازن المفقود في عالم الأطفال الرقمي

محمد عسكر
محمد عسكر

لم يعد النقاش حول استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي قضية هامشية، بل أصبح سؤالًا مركزيًا يمس بنية المجتمع الحديث ذاته. فنحن أمام جيل يولد داخل الفضاء الرقمي، لا يكتشفه لاحقًا كما حدث مع الأجيال السابقة، بل يتشكل وعيه ضمنه. ومن هنا، تبدو الدعوات إلى الحظر الكامل أو التقييد الصارم أقرب إلى رد فعل قلق أكثر منها مشروعًا متكاملًا للفهم والمعالجة.

من منظور تقني، لا يمكن اختزال المشكلة في مجرد وصول الأطفال إلى المنصات، بل في طبيعة هذه المنصات ذاتها. فوسائل التواصل الاجتماعي ليست أدوات محايدة، بل أنظمة مصممة بعناية لتكثيف الانتباه وإطالة زمن الاستخدام.

تعتمد هذه الأنظمة على خوارزميات تتعلم من سلوك المستخدم، ثم تعيد تشكيل تجربته بما يزيد من ارتباطه بها. وعندما يكون المستخدم طفلًا أو مراهقًا، فإن هذا الارتباط قد يتحول بسهولة إلى نوع من التبعية النفسية، حيث تتداخل الحاجة إلى القبول الاجتماعي مع آليات التحفيز الرقمي المستمر.

هنا يبرز منطق الحظر بوصفه رد فعل سريع واستجابة مباشرة: إذا كان الفضاء خطرًا، فلنمنع الدخول إليه. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن التكنولوجيا لا تُحجب بسهولة، بل يُعاد تشكيلها والتحايل عليها. فالأطفال، بحكم فضولهم وقدرتهم السريعة على التعلم، غالبًا ما يجدون طرقًا لتجاوز القيود، سواء عبر استخدام حسابات بديلة أو أدوات تقنية بسيطة. وهكذا، قد يؤدي الحظر إلى نقل الاستخدام نحو مساحات أكثر غموضًا وأقل خضوعًا للإشراف، بدلًا من تنظيمه.

على الجانب الآخر، فإن رفض الحظر بالكامل بدعوى الحرية الرقمية أو أهمية التعلم المبكر للتكنولوجيا يبدو هو الآخر طرحًا ناقصًا. إذ لا يمكن إنكار التأثيرات النفسية المتزايدة لهذه المنصات، بدءًا من القلق الاجتماعي واضطرابات الانتباه، وصولًا إلى التعرض لمحتوى غير ملائم. إن ترك الأطفال في هذا الفضاء دون إطار توجيهي واضح يشبه إلى حد بعيد تركهم في مدينة بلا إشارات مرور ، حيث الحرية المطلقة قد تتحول إلى خطر دائم.

الحل، إذن، لا يكمن في ثنائية الحظر أو الإباحة، بل في إعادة تعريف العلاقة ذاتها بين الطفل والتكنولوجيا. وهذا يتطلب مقاربة متعددة المستويات. أولها، على مستوى الشركات التقنية، حيث ينبغي إعادة النظر في فلسفة تصميم المنصات نفسها، بحيث تُدمج معايير السلامة الرقمية منذ البداية، لا أن تُضاف لاحقًا كحلول. يمكن، على سبيل المثال، تطوير خوارزميات تراعي الفئات العمرية، أو تقليل الاعتماد على آليات التحفيز السريع التي تستهدف إبقاء المستخدم لأطول وقت ممكن.

ثانيًا، على مستوى السياسات العامة، حيث يمكن للقوانين أن تلعب دورًا تنظيميًا فاعلًادون أن تتحول إلى أدوات منع مطلق. فبدلًا من الحظر الشامل، يمكن تبني آليات تحقق أكثر دقة من العمر، أو إلزام المنصات بتقديم إعدادات افتراضية أكثر أمانًا للأطفال. كما يمكن تعزيز الشفافية في كيفية عمل الخوارزميات، وهو أمر لا يقل أهمية عن تقييد الوصول.
أما المستوى الثالث، وربما الأهم، فهو الأسرة والمؤسسة التعليمية.

فالتربية الرقمية لم تعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة. يحتاج الأطفال إلى فهم ما يفعلونه على هذه المنصات، لا مجرد الامتثال لقيود مفروضة عليهم. إن تعليم الطفل كيف يميز بين المحتوى الجيد والضار، وكيف يدير وقته الرقمي، يمنحه أدوات دائمة تتجاوز أي قانون مؤقت.

في النهاية، تكشف هذه القضية عن مفارقة عميقة في عصرنا: نحن نحاول حماية الأطفال من عالم ساهمنا نحن في بنائه، دون أن نعيد النظر في أسسه. الحظر قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالسيطرة، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. أما التنظيم الواعي والتثقيف المستمر، فهما الطريق الأطول والأصعب، لكنه أيضًا الطريق الأكثر واقعية واستدامة.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إبعاد الأطفال عن التكنولوجيا، بل في تمكينهم من العيش داخلها بوعي وأمان. وهذا يتطلب شجاعة فكرية تتجاوز الحلول السهلة، ورؤية ثقافية تدرك أن المستقبل لن يكون أقل رقمية، بل أكثر تشابكًا  تعقيدًا.