في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، سجّلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز اختراقاً محدوداً بعد عبور ناقلة غاز طبيعي مسال تابعة للإمارات، في أول عملية من نوعها منذ إغلاق المضيق مطلع مارس الماضي.
هذا العبور، رغم رمزيته، يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول مستقبل أمن الطاقة العالمي، وحدود السيطرة على أحد أهم الشرايين الحيوية في العالم.
عبور استثنائي في ظرف استثنائي
تشير بيانات شركة “كيبلر” إلى أن ناقلة “مبارز”، التابعة لشركة أدنوك الإماراتية، نجحت في مغادرة الخليج محملة بنحو 132 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، بعد فترة غموض امتدت لأسابيع إثر إغلاق جهاز التتبع الخاص بها.
ويرجح أنها عبرت المضيق خلال منتصف أبريل، بالتزامن مع محاولات أخرى لعدد من السفن، من بينها ناقلات غاز.
هذا التطور لا يمكن فصله عن حالة “الشلل شبه الكامل” التي أصابت الملاحة في المضيق.
حيث تراجعت الحركة بنسبة تقارب 95% نتيجة الإغلاق المزدوج من قبل إيران والولايات المتحدة، عقب اندلاع الحرب في 28 فبراير.
وبالتالي، فإن عبور “مبارز” لا يمثل فقط عملية نقل ناجحة، بل يُعد اختباراً عملياً لقدرة السفن على كسر القيود المفروضة، ولو بشكل محدود.
سوق الغاز تحت الضغط… والنفط يتكيّف
اللافت أن قطاع الغاز الطبيعي المسال كان الأكثر تضرراً من إغلاق مضيق هرمز، مقارنة بسوق النفط التي أظهرت مرونة نسبية.
فبينما لم تتمكن سوى ناقلة واحدة أخرى من العبور منذ بداية الأزمة – وكانت شبه فارغة – خرجت أكثر من 70 ناقلة نفط من الخليج، معظمها من إيران، ما يشير إلى وجود قنوات بديلة أو تفاهمات غير معلنة سمحت باستمرار تدفق النفط ولو جزئياً.
هذا التباين يعكس طبيعة سوق الغاز المسال الأكثر حساسية، إذ يعتمد على سلاسل إمداد معقدة وعقود طويلة الأجل، ما يجعل أي تعطّل في الممرات البحرية ينعكس فوراً على الأسعار والإمدادات، خاصة في الأسواق الآسيوية التي تعتمد بشكل كبير على واردات الخليج.
في المقابل، يبدو أن بعض الأطراف نجحت في “إدارة الأزمة” في سوق النفط، سواء عبر إعادة توجيه الشحنات أو الاستفادة من مخزونات استراتيجية، وهو ما حدّ من تأثير الإغلاق مقارنة بما كان متوقعاً.
رسائل سياسية تتجاوز الاقتصاد
لا يمكن قراءة هذا العبور بمعزل عن الرسائل السياسية الكامنة خلفه. فنجاح ناقلة إماراتية في عبور المضيق قد يُفسَّر كإشارة إلى وجود هامش تفاهم أو “تغاضٍ تكتيكي” في بعض الحالات، خصوصاً أن الإمارات تحافظ على توازن دقيق في علاقاتها الإقليمية.
في الوقت ذاته، قد يكون السماح بمرور محدود جزءاً من استراتيجية أوسع لتجنب خنق الأسواق العالمية بشكل كامل، وهو سيناريو قد يرتد سلباً على جميع الأطراف، بما فيها إيران نفسها التي تعتمد على صادرات الطاقة.
لكن في المقابل، يظل هذا العبور استثناءً لا يعكس تحولاً جذرياً في قواعد اللعبة. فاستمرار الإغلاق بنسبة شبه كاملة، واستمرار المخاطر الأمنية، يعني أن أي انفراجة حقيقية ستظل مرهونة بالتطورات السياسية والعسكرية، وليس فقط بحركة السفن.