قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب: أحمد زكي.. الوجه الذي أقنع الكاميرا

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

حين تراه على الشاشة، تشعر أنك رأيته من قبل.
فتى أسمر، نحيل قليلًا، في عينيه لمعة ابن الجيران الذي يصعد السلم مسرعًا، ويقف عند باب الشقة مترددًا قبل أن يطرق. وجهه مألوف كأنه خرج من حارة قريبة، أو من شباك أتوبيس مزدحم في ظهيرة خانقة. هنا تبدأ الواقعية الاجتماعية في حضوره؛ فهو يشبه الناس إلى الحد الذي يجعل ظهوره على الشاشة أشبه بعودة شخص نعرفه، غاب قليلًا ثم عاد يحمل حكاية جديدة.
نراه فنصدقه بسرعة.
ربما لأن وجهه يسبق الحكاية بخطوة. قبل أن نعرف اسمه في الفيلم، أو عمله، أو حتى مصيبته، نلمح في عينيه شيئًا مألوفًا؛ قلق الشاب الذي ينتظر نتيجة مقابلة عمل، أو حيرة الابن الذي يريد أن يثبت نفسه أمام أبيه، أو وجع رجل ضاقت عليه الدنيا فاختار أن يضحك بدلًا من أن ينهار. هنا تعمل نظرية التلقي ببساطة؛ فالمشاهد يدخل الحكاية من وجه البطل قبل أن يدخلها من الأحداث. 
صدقه في التفاصيل الصغيرة؛ في الطريقة التي ينظر بها قبل أن يرد، والسكتة التي يتركها بين جملتين، وفي ذلك الارتباك الخفيف الذي يجعل الشخصية إنسانًا حيًا وليس دورًا مكتوبًا على ورق. هذه التفاصيل تصنع سيمياء الأداء عند أحمد زكي؛ فالنظرة علامة، والصمت علامة، وارتعاشة الجسد علامة على حياة كاملة داخل الشخصية.
لهذا ظل قريبًا منا. ومن هذا القرب بدأت أسطورة أحمد زكي؛ ممثل جعلنا نصدق الحكاية لأننا صدقنا صاحبها أولًا. في هذه المسافة بين الممثل والمتفرج يتكون أفق التلقي؛ إذ يشعر المشاهد أن الشخصية تمسه وتشبهه.
في الحب فوق هضبة الهرم، دخل أحمد زكي إلى شخصية علي عبد الستار من باب الاحتياج اليومي؛ شاب يريد بيتًا صغيرًا، حبًا آمنًا، وحقًا بسيطًا في بداية حياة. هذه الرغبة صارت مركز أدائه كله. كتفاه منكمشان كأنهما يحملان ضغط المرتب البسيط بين ضلوعه، وعيناه تتحركان بحساب شاب يعرف أن كل خطوة ستكلفه أكثر من طاقته. هنا تظهر الواقعية النقدية في أوضح صورها؛ فالحلم الفردي يصطدم بشروط اجتماعية قاسية. صوته في الفيلم يحمل حرج الطلب، وابتسامته تأتي قصيرة لتستأذن العالم في الفرح. جعل أحمد زكي الحلم العادي يبدو عبئًا ثقيلًا، وجعل علي عبد الستار شابًا نعرفه ونراه في حياتنا.
وفي البريء، بدأ التقمص من سؤال داخلي واضح، كيف يرى رجل بسيط العالم حين يسلم عقله لمن هم أعلى منه؟ من هنا وُلد أحمد سبع الليل. مشيته واسعة، وفيها أثر الأرض والقرية، ونظرته مستقيمة كمن يصدق التعليمات قبل أن يفهمها. جاء جسده مطيعًا، وصوته خشنًا ببراءة، وانفعاله يتأخر لحظة عن الحدث كأن الأمر يصل إلى أذنه سريعًا، بينما يحتاج وعيه إلى لحظة كي يستوعب ما جرى. هنا يطل النقد الأيديولوجي من داخل الأداء؛ فالشخصية تعيش وعيًا مصنوعًا لها، ثم تبدأ في اكتشاف الشقوق داخله. وحين يبدأ الوعي في التفتح، تتغير ملامحه بالتدريج؛ فتتسع العين، ويتردد الجسد. هنا صنع أحمد زكي مأساة الشخصية من داخلها؛ براءة تتحول إلى صدمة، وطاعة تتحول إلى سؤال.
أما في الهروب، فقد جعل أحمد زكي شخصية منتصر عبد الغفار تتحرك وكأن المطاردة تسكن عظامه. كل تفصيلة في الجسد تحمل هدفًا واحدًا؛ النجاة. عينه تسبق خطواته، رقبته تلتفت بسرعة، أنفاسه قصيرة، وصوته يخرج مشحونًا بثأر قديم. في هذا الفيلم، تتحول الشخصية إلى نموذج واضح في دراما الجسد؛ فالجسد هنا يروي الخوف قبل أن ينطق اللسان. تبدو الشخصية وكأنها تعيش في حالة استعداد دائم؛ حتى لحظات السكون فيها توتر. جعل أحمد زكي الغضب فعلًا جسديًا، والخوف طاقة تدفع الشخصية إلى الأمام. ولهذا بدا منتصر رجلًا يركض داخل نفسه قبل أن يركض في الطرقات؛ رجلًا يحمل الظلم كجرح مفتوح، ويحول الجرح إلى حركة.
وفي زوجة رجل مهم، بنى أحمد زكي هشام أبو الوفا من إحساس عميق بالسيطرة. الشخصية تدخل المشهد وهي تعرف مكانها وقيمتها، وتريد من الجميع الاعتراف بهذه القيمة. لذلك جاءت حركته محسوبة، ونبرته واثقة، ونظرته ثابتة كأنها تفحص من أمامها. هنا يظهر خطاب السلطة داخل الأداء؛ فالصوت، والنظرة، وطريقة الجلوس تتحول إلى أدوات هيمنة. في البداية تبدو الأناقة جزءًا من الجاذبية، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى قناع للتهديد. ترك أحمد زكي العنف يتسرب ببطء، في صمت طويل، وفي التفاتة مفاجئة، في يد تستقر على الطاولة، وابتسامة تحمل أمرًا خفيًا. هكذا صار هشام أبو الوفا رجلًا مخيفًا لأنه يملك منطقًا داخليًا كاملًا؛ يرى الحب امتلاكًا، والبيت مساحة نفوذ، والزوجة جزءًا من عالم يجب أن يخضع لترتيبه.
وبين هذه الأدوار وغيرها، تظهر براعة أحمد زكي في قدرته على إيجاد مفتاح داخلي لكل شخصية. علي عبد الستار مفتاحه الحاجة، وأحمد سبع الليل مفتاحه الطاعة، ومنتصر عبد الغفار مفتاحه النجاة، وهشام أبو الوفا مفتاحه السيطرة. ومن هذا المفتاح تتولد الحركة، والنبرة، والنظرة، وطريقة الوقوف داخل المشهد. هنا يكتمل البناء النفسي للشخصية؛ فكل شخصية تحمل هدفًا، ومنه يتشكل الجسد، وتولد الحكاية أمام الكاميرا.
إن عبقرية أحمد زكي الحقيقية تكمن في قدرته على جعل الحقيقة الداخلية مرئية. فقد منحنا شخصيات لها دوافع وتناقضات وخوف ورغبة وندوب إنسانية واضحة. يدخل إلى الشخصية من بابها السري، ثم يتركها تتنفس أمامنا كأنها وُلدت في اللحظة ذاتها. ولهذا يبقى أثره طويلًا؛ فالصدق الذي صنعه على الشاشة يتجاوز حدود المشهد، ويستقر في ذاكرة المتفرج كخبرة عاشها بقلبه.
هكذا تبدو سينما أحمد زكي: حكاية ممثل فهم أن التمثيل العظيم يبدأ حين يعرف الفنان لماذا تتحرك الشخصية، ولماذا تصمت، ولماذا تنكسر، ولماذا تقاوم. من هذه المعرفة العميقة صنع حضوره؛ حضورًا قائمًا على حياة داخلية كاملة. لذلك يظل أحمد زكي واحدًا من أصدق وجوه السينما المصرية؛ ممثلًا جعل من كل شخصية حكاية لا تنتهي.