قال الدكتور علي جمعة، أن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}.
واوضح جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أنه في هذه الآية يبيِّن الله سبحانه وتعالى لنا معنى المسؤولية الفردية، ويؤكد ذلك في قوله تعالى:
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}.
{اقْرَأْ كِتَابَكَ}، وليس كتاب زميلك، ولا أخيك، ولا أبيك، ولا مَن كان معك، بل كتابك أنت.
القرآن الكريم يقرر المسؤولية الفردية
فالقرآن يقرر المسؤولية الفردية، وهذه المسؤولية تنفي التبعات الموروثة؛ فليس هناك خطيئة موروثة عبر الأجيال، فلا يُؤاخَذ أحدٌ بذنب أبيه، ولا بذنب أخيه، ولا بذنب أحدٍ من العالمين؛ قال تعالى:
{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
وهذه المسؤولية الفردية يعمِّقها القرآن بأساليب شتى، كثيرة ومتكررة، حتى تترسخ في النفس البشرية حقيقة أن الإنسان مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى عن عمله هو وحده.
ولذلك جاء القصص القرآني فبيَّن لنا أن سيدنا إبراهيم، عليه السلام، لم يُؤاخَذ بجريرة أبيه، وأن سيدنا نوحًا، عليه السلام، لم يُؤاخَذ بجريرة زوجته وابنه، وأن سيدنا يوسف، عليه السلام، لم يُؤاخَذ بجريرة إخوته.
ونرى امرأة فرعون، وهي امرأة تقية صالحة، مقبولة عند الله، مع أنها كانت تحت جبار من جبابرة الأرض، ادعى الربوبية والإلوهية، وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}،
ومع ذلك فإن الله سبحانه وتعالى نجاها وأهلكه.
وكذلك سيدنا لوط، عليه السلام، فإن امرأته خانته في الدين، وأبلغت عن أضيافه، ولم تكن مؤمنة بما يقول، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يؤاخذه، ولم يؤاخذ أهله وبناته بهذه الجريرة من أمهم، ولا من زوجته.
إذًا: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.
وقال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}.
فالمسؤولية إنما هي مسؤولية فردية عن عملك، لا عن عمل أخيك، ولا عن عمل مَن تنتسب إليه؛ فالإنسان عند الله بعمله وسعيه، لا بنسبه ولا بجريرة غيره.
وهذا المعنى يحرر العقل البشري من الأوهام، ومن إلقاء التبعة على الآخرين، ويقرر أن الإنسان يُؤاخَذ بعمله هو دون سواه.
وهي قضية بالغة الأهمية؛ لأنها تناقض فكرة توريث الخطيئة من جيل إلى جيل، وتناقض أن يُؤخذ الناس بعضهم بجريرة بعض، كما استقر في بعض الأفهام والتصورات.

