قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن النية عملٌ من أعمال القلوب، ولا بد في النية من مقصدٍ حسن، ولا تكون النية حسنةً على الحقيقة إلا إذا كانت موجَّهةً إلى الله رب العالمين.
الاخلاص سر الأعمال
واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن الإخلاص سرُّ الأعمال وروحها، والعمل الذي يخلو من الإخلاص يبقى موضع نظرٍ ومساءلة، وفي الغالب الأعم لا يُقبل عند الله سبحانه وتعالى، أما العمل الذي يقع على الإخلاص والصدق، فله عند الله عظيم الثواب.
وقد قال الإمام الفُضيل بن عياض رحمه الله تعالى: لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب.
وتكلَّم العلماء على هذين الركنين: الإخلاص والصواب؛ فالإخلاص أن يكون العمل لله وحده، والصواب أن يكون موافقًا للشرع، جارِيًا على هدي رسول الله ﷺ.
وقد ذكر أهل العلم أن الإخلاص مراتب، فمنها إخلاص عموم الناس، وإخلاص المحبين، وإخلاص المقربين.
أما إخلاص عموم الناس، فهو أن يكون العمل خاليًا من الرياء، والرياء هو الشرك الخفي كما وصفه رسول الله ﷺ. فينبغي للمسلم إذا صلَّى ألَّا يُصلِّي للناس، ولا يطلب بصلاته أن يُقال عنه: إنه مصلٍّ. وإذا تعلَّم العلم فلا يطلب بذلك الشهرة، ولا المجد، ولا الفخار، وإنما يطلب وجه الله وحده، ورضاه سبحانه وتعالى.
وأما إخلاص المحبين، فهو مرتبةٌ أعلى؛ إذ يعمل الإنسان العمل إجلالًا لله، وتعظيمًا له، وحبًّا فيه. فالمحب لا يعبد الله لمجرد إسقاط الفرض، ولا لمجرد طلب الأجر، بل يعبده لأنه سبحانه أهلٌ للعبادة، ومستحقٌّ للمحبة والتعظيم.
فلو فُرض أن الصلاة لم تكن واجبة، لبادر المحبون إليها حبًّا لله، وإجلالًا له، وتعظيمًا لشأنه؛ لأن الذي يحرِّكهم إلى العمل هو محبتهم لله رب العالمين، ويقينهم أنه سبحانه مستحقٌّ لأن تُبذل له النفوس، وأن تُصرف له القلوب، وأن تكون العبادة له وحده.
أما إخلاص المقربين فمبناه على ما يسمِّيه أهل الطريق: الشهود؛ فإن المقربين قد يرزقهم الله حالًا يرون فيه فعل الله في الكون، فيشهدون أن الأمر كله لله، وأن التصريف كله بيده سبحانه؛ فهو الذي أعطى هذا، ومنع هذا، وأغنى هذا، وابتلى هذا، ورفع هذا، وخفض هذا، وعلَّم هذا، وحجب عن هذا العلم، وشرح صدر هذا، وضيَّق صدر هذا، وكل ذلك جارٍ بحكمته وعدله وعلمه.
وهذا الشهود يجعل العبد يرى فعل الله في الخلق، فيسلِّم لأمر الله فيهم، ويردُّ الأمر كله إليه، فلا يرى لنفسه حولًا ولا قوة، ولا فضلًا استقلاليًّا، ولا يعترض على قضاء الله، ولا يتبرَّم بحكمه، ولا ينازع ربَّه في تدبيره، بل يأخذ بالأسباب، ويدعو، ويجتهد، ثم يسلِّم الأمر لله تعالى، ويقول دائمًا: لا حول ولا قوة إلا بالله، آمنا بالله، رضينا بالله، وسلَّمنا لله.
فانظر إلى نفسك:
هل أنت من عموم الناس الذين يجاهدون أنفسهم حتى يخلو عملهم من الرياء الخفي والجلي؟ فكن كذلك.
أم أنت من المحبين الذين يحرِّكهم إجلالهم لله وحبهم له إلى مزيدٍ من الطاعة والعبادة؟ فكن كذلك.
أم أنت من المقربين الذين يرزقهم الله شهود فعله في الكون، حتى يصلوا إلى التوكل، والتسليم، والرضا؟ فكن كذلك في إخلاصك.
فإن الإخلاص هو روح العمل، والعمل بغير إخلاص جسدٌ بلا روح، وصورةٌ بلا حقيقة.

