قال الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق، وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشرف: طلب مني كثيرون أن أُؤصِّل لثقافة الضجيج وثقافة التأمل، وابتداءً فأنا مع ثقافة التأمل، وضد ثقافة الضجيج؛ لأن ثقافة الضجيج تُنتج عقلًا هشًّا لا يقدر على التفكير، وتجعل النشاط يسبق الفكر، والحركة تسبق البصيرة.
أخطر سمات الحضارة الحديثة
واشار إلى أن من أخطر سمات الحضارة الحديثة أن الإنسان صار كثير الحركة، قليل التأمل، مشغولًا بالصوت والصخب، بعيدًا عن السكون الذي تنشأ فيه الفكرة، ويستقر فيه المعنى، ويصفو فيه القلب.
والقرآن الكريم يلفتنا إلى هذا المعنى؛ فوسائل إبليس تبدأ بالتشويش والصوت، قال تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ...} فالصوت هنا ليس مجرد صوت، بل صوت يثير، ويشوش، ويصرف الإنسان عن التفكر والتدبر والطمأنينة.
وكذلك كان التشويش على القرآن من وسائل المعاندين، قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}
فثقافة الضجيج تريد أن تمنع السماع، وأن تطمس المعنى، وأن تصنع حول الحق ضوضاء تمنع القلب من أن يتلقى، والعقل من أن يفهم.
ثقافة القرآن
أما ثقافة القرآن فهي ثقافة الإنصات، والتدبر، والتفكر: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}. {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}
والمؤمن الصادق ليس إنسانًا منغمسًا في الصخب، بل هو إنسان ذاكر متفكر، قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}.
ومن هنا جاء الأمر بالإنصات للقرآن: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فالرحمة تنزل مع الإنصات، لا مع اللغو والضجيج.
ثم يجعل القرآن خفض الصوت أدبًا عامًّا في الحياة، فيقول لقمان لابنه: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}.
فليس علو الصوت علامة قوة، ولا كثرة الضجيج دليل حياة، بل قد يكون علامة اضطراب وفقدان للسكينة.
وتتسع هذه الثقافة في القرآن لتصبح منهجًا في التعامل كله: غضُّ البصر، وخفض الجناح، واللين، والرحمة، وحسن المخالطة. قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.
حتى الصلاة جاءت لتربي الإنسان على القنوت والسكينة، لا على الضجيج الفارغ. قال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وقال سبحانه: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}.
وقال النبي ﷺ لأصحابه حين رفعوا أصواتهم بالدعاء: «اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا».
لكن لا ينبغي أن نفهم من هذا أن الإسلام ضد الصوت الجميل، أو ضد التعبير المؤثر؛ فالنبي ﷺ أحب الصوت الحسن، واختار بلالًا للأذان، وقال في عبد الله بن زيد: «فإنه أندى منك صوتًا»، وكان أبو محذورة من أندى الناس صوتًا.
وأثنى النبي ﷺ على قراءة ابن مسعود، وسمع شعر حسان بن ثابت وكعب بن زهير.
إذن فالمشكلة ليست في الصوت من حيث هو صوت، وإنما في الصوت إذا صار ضجيجًا يطرد المعنى، ويمنع الإنصات، ويغلق باب التأمل.
هناك صوت يهدي، وصوت يشوش.
هناك صوت يفتح القلب، وصوت يبدد العقل.
هناك فن يرتقي بالإنسان، وفن يغرقه في الصخب.
هناك أدب يوقظ الوعي، وأدب يستهلك الإنسان في الانفعال.
ومن هنا ينبغي أن نحاكم حالتنا الثقافية:
هل تميل إلى ثقافة الضجيج، أم إلى ثقافة التأمل؟
هل تصنع إنسانًا يسمع ويفهم ويتدبر، أم إنسانًا يعلو صوته ويضعف قلبه وعقله؟
إن ثقافة التأمل ليست صمتًا سلبيًّا، بل هي وعي، وسكينة، وإنصات، وتدبر، وحسن تلقي عن الله وعن الكون وعن الإنسان.
أما ثقافة الضجيج، فهي حركة بلا بصيرة، وصوت بلا معنى، ونشاط يسبق الفكر، وحضور يقتل الإنسان أمام نفسه.
فلنختر لأنفسنا وأبنائنا ثقافة تُنبت العقل، وتوقظ القلب، وتعيد إلى الإنسان قدرته على التفكر والتدبر والإنصات.