أعلن مجدي كريم، دفاع الشقيقتين “يسرا ويمنى” المعروفتين إعلاميًا بـ “فتيات أسيوط”، تحديد جلسة 7 يونيو المقبل لنظر استئناف الحكم الصادر ضدهما بالسجن 3 سنوات أمام الدائرة الثانية الاستئنافية بمحكمة جنايات أسيوط، وذلك بعد صدور حكم أول درجة من محكمة جنايات أسيوط بمعاقبتهما بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات، في اتهام يتعلق بالاشتراك في تزوير “مفردات راتب” خاصة بوالدهما، بهدف زيادة قيمة النفقة.
تعود تفاصيل القضية إلى خلافات بين الزوجين “أحمد. ح. م”، الموظف بإحدى شركات الكهرباء، وطليقته “تغريد. ح. ت”، بعد انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق، إلا أن الطلاق لم ينهي الخلافات، بل فتح بابًا واسعًا من النزاعات القضائية المتبادلة، خاصة فيما يتعلق بقضايا النفقة والمصاريف الأسرية أمام محكمة الأسرة.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الخلافات إلى سلسلة من الدعاوى القضائية المتلاحقة، حيث فوجئ الأب بتحريك عدد من قضايا النفقة ضده، حملت أرقامًا متعددة، من بينها: 845 لسنة 2024، و848 لسنة 2024، و2894 لسنة 2024، و2388 لسنة 2024 أسرة قسم ثان أسيوط، بالإضافة إلى قضايا أخرى أرقام 82 لسنة 2025، و1003 لسنة 2025، و1004 لسنة 2025 أسرة قسم ثان أسيوط، وهو ما جعله يعيش حالة من النزاع القضائي المستمر داخل أروقة محاكم الأسرة.
وخلال متابعته لإحدى تلك القضايا، تفاجأ الأب بوجود مستندات مقدمة ضده عبارة عن “مفردات راتب” منسوبة إلى جهة عمله، تفيد بأنه يتقاضى راتبًا شهريًا يفوق راتبه الحقيقي بمبالغ كبيرة، وهو ما كان من شأنه التأثير على تقدير النفقة وزيادتها بشكل كبير لصالح طليقته وبناته.
وحسب ما جاء في أوراق القضية، فقد اكتشف الأب أن هذه المستندات لا تمت بصلة إلى الأوراق الرسمية الصادرة عن جهة عمله، وأنها تحمل أسماء شركات الكهرباء التي يعمل بها، إلى جانب أختام وتوقيعات بدت في ظاهرها رسمية، فضلًا عن أرقام مالية غير حقيقية تشير إلى دخل مرتفع على غير الواقع.
هذا الأمر دفعه إلى الاعتقاد بأن هناك تزويرًا متعمدًا في مستندات رسمية، بهدف استخدامها أمام محكمة الأسرة للحصول على أحكام بزيادة قيمة النفقة، وهو ما اعتبره ضررًا مباشرًا له، ليقوم على إثر ذلك بتقديم بلاغ رسمي يتهم فيه طليقته وابنتيه بالاشتراك في تزوير تلك المستندات واستعمالها في الدعاوى القضائية.
وبمجرد تقديم البلاغ، بدأت جهات التحقيق في مباشرة فحص المستندات محل الاتهام، كما تولت مباحث مكافحة جرائم الأموال العامة بأسيوط إجراء التحريات اللازمة حول الواقعة، وظروف إعداد تلك الإفادات، وكيفية وصولها إلى أوراق القضايا المنظورة أمام محكمة الأسرة.
وأظهرت التحريات التي قادها العقيد محمد عبد الكريم أبو القاسم، رئيس قسم مكافحة جرائم الأموال العامة، أن الواقعة لم تكن مجرد تصرف فردي، بل إن هناك اشتراكًا بين أكثر من طرف، حيث تبين أن المتهمة الأولى “الأم” لم تقم بالفعل بمفردها، وإنما استعانت بشخص مجهول تولى تنفيذ عملية التزوير باستخدام وسائل تقنية حديثة ومنظومة حاسب آلي، لإعداد مستندات شبيهة بالمحررات الرسمية الصادرة عن جهة العمل.
وأوضحت التحريات أن الأم قامت بتزويد هذا الشخص بكافة البيانات الخاصة بزوجها السابق، بدءًا من اسم جهة العمل، مرورًا بالبيانات الوظيفية، وصولًا إلى تحديد قيمة الراتب الذي ترغب في إثباته داخل المستندات المزورة، ليقوم المجهول بإعداد إفادات تحمل أرقامًا مالية غير صحيحة، مع وضع أختام وتوقيعات منسوبة زورًا للجهات الرسمية المختصة.
ولم تتوقف التحريات عند هذا الحد، بل كشفت أيضًا أن الابنتين “يسرا ويمنى” تسلمتا هذه المستندات وقامتا باستخدامها بالفعل في دعاوى النفقة المقامة أمام محكمة الأسرة ضد والدهما، بهدف الحصول على أحكام قضائية بزيادة النفقة المستحقة لهما.
وخلال مراحل التحقيق، استمعت النيابة العامة إلى أقوال محامي الابنتين ووالدتهما، والذي أوضح أنه كان يتولى الدفاع عن المتهمتين الثانية والثالثة في قضايا الأسرة، وأن دوره اقتصر على تقديم المستندات التي تسلمها منهما إلى المحكمة، مؤكدًا أنه لم يكن على علم بأن هذه المستندات مزورة.
وأضاف المحامي أن محكمة الأسرة كانت قد صرحت في وقت سابق باستخراج “مفردات مرتب” خاصة بالأب، وأنه قام بتنفيذ الإجراءات القانونية وتسليم القرار إلى المتهمتين، قبل أن تعودا إليه لاحقًا بالمستندات التي تم تقديمها بالفعل داخل القضايا، مشيرًا إلى أنه تعامل معها باعتبارها أوراقًا رسمية صحيحة.
وخاطبت محكمة الأسرة الجهات الرسمية المختصة، وهي شركتا الكهرباء المنسوب إليهما إصدار مفردات الراتب محل القضية، للتأكد من مدى صحة المستندات المقدمة.
وجاء الرد الرسمي حاسمًا، حيث أكدت الشركتان أن تلك الإفادات لم تصدر عنهما مطلقًا، وأن الأختام الموجودة عليها لا تخصهما، كما أن التوقيعات الواردة بها مزورة ولا تمت بصلة لأي من الموظفين أو الإدارات المختصة.
واعتبرت النيابة العامة أن ما ورد يمثل دليلًا قويًا على وقوع جريمة تزوير في محررات رسمية واستعمالها أمام جهة قضائية، الأمر الذي أدى إلى انتقال القضية من مجرد نزاع أسري داخل محكمة الأسرة إلى قضية جنائية منظورة أمام محكمة الجنايات.
وبعد انتهاء التحقيقات، قرر المحامي العام لنيابات جنوب أسيوط الكلية إحالة المتهمات الثلاث إلى محكمة الجنايات، ووجهت لهن النيابة العامة تهمة الاشتراك بطريق الاتفاق والمساعدة مع شخص مجهول في تزوير محررات رسمية خلال عامي 2024 و2025، واستعمالها في وقائع قضائية.
وجاء في أمر الإحالة أن المتهمات اتفقن مع شخص مجهول على اصطناع إفادات راتب مزورة تخص والدهن، وأمددنه بالبيانات اللازمة، ليقوم بإعداد مستندات تحمل بيانات مالية غير حقيقية، ومختومة بأختام مزورة، بما يثبت على غير الحقيقة أن الأب يتقاضى راتبًا أعلى من راتبه الفعلي.
ومع بدء نظر الدعوى أمام الدائرة الحادية عشرة بمحكمة جنايات أسيوط، برئاسة المستشار أحمد عبد التواب صالح، وعضوية المستشارين روميل شحاتة أمين وعلاء الدين سيد عبد الملك، وأمانة سر عادل أبو الريش وزكريا حافظ، حظيت القضية باهتمام واسع داخل أروقة المحكمة والرأي العام بالمحافظة.
وحضرت الابنتان جلسات المحاكمة، بينما تغيبت الأم، وأنكرت المتهمتان التهم المنسوبة إليهما بشكل كامل، مؤكدتين أنهما لم تشتركا في أي عملية تزوير ولم تكونا على علم بطبيعة المستندات محل الاتهام.
ودفع دفاع المتهمتين بانتفاء أركان جريمة الاشتراك في التزوير، مؤكدًا عدم وجود دليل يقيني يثبت قيامهما باصطناع المستندات أو الاتفاق على تزويرها، معتبرًا أن القضية جاءت في إطار خلافات أسرية متصاعدة بين الأب وطليقته، وليست جريمة جنائية مكتملة الأركان.
وأشار الدفاع إلى أن المستندات محل الاتهام، حتى إذا ثبت عدم صحتها، فإنها كانت واضحة ويمكن اكتشافها بسهولة، ولا يمكن أن تنطلي على جهة قضائية، مطالبًا ببراءة المتهمتين من الاتهامات المنسوبة إليهما.
في المقابل، ادعى محامي الأب مدنيًا بمبلغ 100 ألف وواحد جنيه على سبيل التعويض المدني المؤقت، عن الأضرار التي لحقت بموكله جراء استخدام تلك المستندات داخل دعاوى النفقة.
وبعد سماع المرافعات ومناقشة أوراق القضية، أصدرت المحكمة حكمها بمعاقبة الأم غيابيًا، والابنتين حضوريًا، بالسجن المشدد لمدة 3 سنوات، مع مصادرة المحررات المزورة المضبوطة.

