قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

إبراهيم شعبان يكتب: فرنسا تعيد اكتشاف إفريقيا وتمسح صورتها القديمة

إبراهيم شعبان
إبراهيم شعبان

يمثل التحول الفرنسي في أفريقيا، نقطة مفصلية حقيقية في تاريخ العلاقة بين باريس والقارة السمراء، إذ تنتقل فرنسا تدريجيًا من إرث استعماري طويل إلى نموذج جديد يقوم على التنمية والشراكة والاستثمار المشترك، في محاولة لإعادة التموضع داخل قارة أصبحت مركزًا للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، خلال العقدين الأخيرين بالخصوص.
والحاصل إنه وعلى مدى عقود، ارتبط النفوذ الفرنسي في أفريقيا بمنظومة معقدة من العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تشكلت بعد الاستقلالات في ستينيات القرن العشرين، خاصة في غرب ووسط أفريقيا. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، مع تصاعد موجات الرفض الشعبي في دول الساحل، وتراجع الوجود العسكري الفرنسي، مقابل صعود قوى دولية جديدة في مناطق نفوذها السابقة.
في هذا السياق، جاءت قمة "أفريقيا نحو الأمام"، الأخيرة والإعلان عن حزمة استثمارات فرنسية جديدة تُقدّر بنحو 23  مليار يورو، كإشارة واضحة إلى بداية مرحلة مختلفة في السياسة الفرنسية، يقودها الرئيس الفرنسي ماكرون، وتركّز على الانتقال من منطق "المساعدات" إلى منطق "الشراكة الاستثمارية".
وتستهدف الاستراتيجية الفرنسية الجديدة، قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والزراعة، والبنية التحتية، مع رهان واضح على الشباب الأفريقي كمحرك رئيسي للنمو المستقبلي. كما تسعى باريس إلى خلق مئات الآلاف من فرص العمل وتعزيز الروابط الاقتصادية بدل العلاقات السياسية والأمنية التقليدية التي فقدت كثيرًا من فعاليتها، ومحو  صورتها الاستعمارية القديمة على مدى عقود.
والحقيقة أنه، لا يمكن فهم هذا التحول في السياسة الفرنسية نحو أفريقيا بمعزل عن التنافس الدولي الشديد في القارة. فالصين أصبحت الفاعل الاقتصادي الأكبر في أفريقيا خلال العقدين الأخيرين. حيث تشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا تجاوز 280  مليار دولار سنويًا، بينما بلغت الاستثمارات الصينية التراكمية في القارة أكثر من 200  مليار دولار ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، وبعد تمويل مئات من مشاريع البنية التحتية من موانئ وطرق وسكك حديد وطاقة، ما دفع باريس لمحاولة اعادة ركوب القطار الأفريقي بحزمة استثمارات ضخمة وقمة كبيرة.
فمن خلال قمة أفريقيا – فرنسا الأخيرة، تحاول باريس تحت قيادة ماكرون إعادة تعريف أدوات نفوذها عبر "القوة الناعمة" بدل التدخل العسكري المباشر. وحيث تتجه باريس اليوم نحو الاستثمار في الاقتصاد الرقمي، ودعم ريادة الأعمال، وتمويل مشاريع التنمية المحلية، وبناء شراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني داخل افريقيا.
كما تسعى فرنسا إلى توسيع حضورها خارج الفضاء الفرنكوفوني التقليدي، والتوجه نحو دول أفريقيا الناطقة بالإنجليزية مثل كينيا ونيجيريا، في محاولة لتجاوز الإرث التاريخي الذي بات يمثل عبئًا سياسيًا على علاقاتها مع العديد من الدول الأفريقية.
ويمكن القول إن التحول في السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا ليس مجرد تغيير في الأدوات، بل هو إعادة صياغة كاملة لفلسفة العلاقة مع القارة. وبينما تتحرك باريس نحو الاستثمار والتنمية، تظل أفريقيا ساحة مفتوحة لتوازنات جديدة بين قوى كبرى، تتنافس ليس فقط على مواردها، بل على تشكيل مستقبل النظام الدولي نفسه، وبخاصة إذا عرفنا أن قارة أفريقيا بها نحو 30% من الاحتياطيات المعدنية العالمية، وهي العصب المحرك لتكنولوجيا المستقبل بفضل استحواذها على أكثر من 70% من الكوبالت والبلاتين الضروريين لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية والهيدروجين الأخضر. إلى جانب ريادة أفريقيا في إنتاج المعادن النفيسة مثل الذهب والألماس الطبيعي،  كما تمتلك القارة مخزونات هائلة من النفط الخام والغاز الطبيعي تجعلها بديلاً استراتيجياً موثوقاً لأسواق الطاقة العالمية، وسط أزمات مفاجئة وعاصفة..
ولا تقتصر ثروات أفريقيا على الكنوز التقليدية في باطن الأرض، بل تمتد لتشمل قدرات غير محدودة من الطاقة المتجددة. حيث توفر الصحراء الكبرى أعلى معدلات إشعاع شمسي في العالم، بالتوازي مع مساقط مائية وأنهار عملاقة قادرة على توليد آلاف الجيجاواط من الطاقة النظيفة. وتجعل هذه التوليفة الاستثنائية من أفريقيا المحور الأساسي للاقتصاد الأخضر والأمن الطاقي العالمي خلال العقود المقبلة، ما يؤكد نجاح الاستراتيجية الفرنسية الجديدة نحو أفريقيا، وبدء كتابة فصل جديد للعلاقة بين الطرفين.