يمثل قطاع الدواء في مصر أحد أهم ركائز الأمن القومي الصحي والاقتصادي، في ظل دوره الحيوي في توفير العلاج للمواطنين، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، ودعم خطط الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المستحضرات الطبية الحيوية والاستراتيجية.
وسلط مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء الضوء على جهود تطوير الصناعة الدوائية الوطنية، خاصة ما يتعلق بالشركة القابضة للأدوية وشركاتها التابعة، باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية لتأمين احتياجات السوق المحلية وتعزيز تنافسية المنتج المصري إقليميًا ودوليًا.
وتكشف المؤشرات الحديثة عن تحول كبير تشهده صناعة الدواء المصرية، لم يعد يقتصر على تغطية احتياجات السوق المحلية فقط، بل يمتد إلى بناء قدرات إنتاجية متطورة تشمل توطين صناعة المواد الخام والأدوية البيولوجية، ورفع كفاءة المصانع وفقًا للمعايير الدولية، بما يفتح الباب أمام زيادة الصادرات وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي لصناعة الدواء.

البداية التاريخية لصناعة الدواء المصرية
أكد الدكتور أشرف الخولي، العضو المنتدب للشركة القابضة للأدوية، أن صناعة الدواء في مصر تمتلك تاريخًا عريقًا يمتد لعقود طويلة، حيث بدأت فعليًا عام 1939 مع تأسيس شركة "مصر للصناعات الدوائية" على يد طلعت حرب، لتصبح أول شركة لإنتاج الدواء في منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن هذه الخطوة تبعتها مراحل توسع كبيرة خلال أربعينيات وستينيات القرن الماضي، عبر تأسيس شركات "سيد"، و"النيل"، و"القاهرة"، و"ممفيس"، و"الإسكندرية"، وهو ما رسخ ريادة مصر في الصناعة الدوائية على مستوى المنطقة العربية والأفريقية.
وأشار إلى أن الدولة تمتلك حاليًا نحو 185 مصنعًا للأدوية تعمل داخل السوق المصرية، تنتج ما يقرب من 92% من احتياجات الاستهلاك المحلي من الوحدات الدوائية، بينما لا تتجاوز نسبة الواردات نحو 8% فقط، وهو ما يعكس قوة البنية الصناعية الوطنية وقدرتها على تلبية الطلب المحلي.
قفزة كبيرة في المبيعات والأرباح
شهدت الشركة القابضة للأدوية خلال السنوات الأخيرة طفرة واضحة في الأداء المالي والإنتاجي، حيث ارتفع حجم المبيعات من نحو 5.6 مليار جنيه خلال عام 2023 إلى قرابة 16 مليار جنيه خلال العام المالي 2025/2026، مع استهداف الوصول إلى نحو 19 مليار جنيه في العام المالي 2026/2027.
كما انعكس هذا التطور على أداء الشركات التابعة المقيدة بالبورصة، إذ ارتفعت القيمة السوقية لخمس شركات تابعة مطروحة للتداول من نحو 1.5 مليار جنيه في 2023 إلى 16 مليار جنيه في سبتمبر الماضي، قبل أن تصل إلى 17.2 مليار جنيه خلال مارس الماضي، وهو ما يعكس حجم التطوير الذي شهدته الشركات خلال السنوات الأخيرة.
وأكد الخولي أن هذا التحسن جاء نتيجة خطة شاملة لإعادة هيكلة وتحديث الشركات، شملت تطوير خطوط الإنتاج، ورفع كفاءة العاملين، والتوسع في تصنيع الأدوية الحيوية والاستراتيجية، إلى جانب زيادة التعاون مع شركات دواء عالمية.
مشروع تصنيع الأدوية البيولوجية
ومن أبرز المشروعات التي تعمل عليها الشركة القابضة حاليًا، مشروع تصنيع الأدوية البيولوجية، وهي أدوية تعتمد في إنتاجها على البكتيريا والخمائر وليس المواد الكيميائية التقليدية، وتستخدم في علاج أمراض مزمنة وخطيرة مثل الأورام وأمراض المناعة.
وأوضح الخولي أن هذه الأدوية تمثل حاليًا نحو 8% من حجم سوق الدواء المصري، وتعتمد بصورة أساسية على الاستيراد، فيما يصل متوسط سعر العبوة الواحدة منها إلى نحو 14 ألف جنيه، الأمر الذي يدفع الدولة إلى التحرك بقوة نحو تصنيع بدائل محلية بنفس الجودة والكفاءة لتخفيف العبء على المرضى وتقليل فاتورة الاستيراد.
وأشار إلى بدء الاستعدادات لإنشاء مصنع متخصص لإنتاج هذه النوعية من الأدوية، مؤكدًا أن المصانع المصرية تمتلك الإمكانيات الفنية والتكنولوجية والبشرية القادرة على تنفيذ هذا المشروع وفق أعلى معايير الجودة العالمية.
توطين تصنيع المواد الخام الدوائية
ضمن خطط الدولة لتعزيز الأمن الدوائي، تعمل الشركة القابضة كذلك على مشروع تصنيع المواد الخام الفعالة المستخدمة في صناعة الأدوية، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج وضمان استقرار الإنتاج المحلي.
وكشف الخولي عن تطوير أحد مصانع شركة النصر وبدء إنتاج بعض المواد الفعالة بالفعل، مع استمرار التفاوض مع شركات هندية وصينية للتوسع في هذا المجال، بما يسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة وتوطين الصناعة بشكل كامل داخل مصر.
وأكد أن الشركات التابعة للقابضة تمتلك كوادر فنية عالية الكفاءة، بالإضافة إلى خطوط إنتاج حديثة ومناطق تصنيع متطورة تؤهلها لإنتاج مختلف أنواع الأدوية، بما في ذلك المنتجات الخاصة بشركات أمريكية وأوروبية كبرى يتم تصنيعها داخل مصر بنفس معايير الجودة العالمية.
تطوير شامل لخطوط الإنتاج
وفي إطار خطط التحديث، اعتمدت الشركة القابضة للأدوية استراتيجية متكاملة لتطوير المصانع وخطوط الإنتاج، بما يتوافق مع اشتراطات هيئة الدواء المصرية ومعايير منظمة الصحة العالمية.
وشملت خطة التطوير تحديث 97 خط إنتاج بتكلفة بلغت نحو 3.7 مليار جنيه، تضمنت تطوير المناطق الإنتاجية ومحطات المياه وأنظمة الهواء وخطوط التصنيع المختلفة، بهدف رفع كفاءة التشغيل وتحقيق أعلى درجات الجودة والأمان الدوائي.
كما تم العمل على تطوير محفظة المنتجات والتركيز على الأدوية الحيوية والاستراتيجية، مثل أدوية الضغط والسكر وسيولة الدم، مع توفيرها بأسعار تقل بنحو 50% عن مثيلاتها المستوردة، بما يساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين.
وفي إطار التحول الرقمي، جرى تطبيق منظومة الرقمنة بشكل شبه كامل داخل شركتي "سيد" و"النيل"، مع استكمال تطبيقها تدريجيًا في باقي الشركات التابعة، بهدف تحسين إدارة البيانات وتسهيل عمليات المتابعة والإنتاج.
القاهرة للأدوية.. نموذج للتطوير والتحديث
من جانبها، استعرضت الدكتورة أماني هارون، رئيس القطاع الفني بالشركة القابضة للأدوية، الدور الذي تقوم به شركة "القاهرة للأدوية"، باعتبارها واحدة من أكبر الشركات التابعة للقابضة.
وأوضحت أن الشركة، التي تأسست عام 1962 بمنطقة شبرا، تضم نحو 25 خط إنتاج تشمل المستحضرات الصلبة والسائلة وشبه الصلبة، إضافة إلى المناطق العقيمة الخاصة بإنتاج قطرات العيون والأمبولات.
وتنتج الشركة ما بين 90 و100 مليون وحدة دوائية سنويًا، ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى داخل الشركة القابضة من حيث عدد الوحدات المنتجة.
وأكدت أن الشركة شهدت خلال السنوات الثلاث الماضية عمليات تطوير واسعة باستثمارات بلغت نحو 450 مليون جنيه، مع خطة إضافية بقيمة 350 مليون جنيه لاستكمال أعمال التطوير خلال السنوات المقبلة.
أدوية مصرية تاريخية تحافظ على مكانتها
وأشارت أماني هارون إلى أن الشركة القابضة للأدوية تمثل إحدى القلاع التاريخية لصناعة الدواء في مصر، من خلال مجموعة كبيرة من المستحضرات الدوائية التي ارتبطت بالمواطن المصري لعقود طويلة.
ومن أبرز هذه المنتجات "الريفو" من إنتاج الشركة العربية للأدوية، و"اليوروسولفين فوار" من إنتاج شركة النيل، و"البروكسيمول فوار" من إنتاج شركة القاهرة للأدوية، و"الكوليورينال فوار" من إنتاج شركة مصر للمستحضرات الطبية.
كما تنتج الشركات التابعة عددًا من الأدوية الحيوية والاستراتيجية المهمة، من بينها "البيتاديرم"، و"بانثينول"، وحقن "ديفارول"، و"الفنتال" لعلاج الأزمات الصدرية، و"أسبوسيد أطفال"، و"الكاربيمازول" لعلاج أمراض الغدة الدرقية.
وأكدت أن الشركات الوطنية لعبت دورًا مهمًا خلال فترات نقص بعض الأدوية المستوردة، من خلال توفير بدائل محلية بنفس الجودة والكفاءة، مثل توفير بديل دواء "السيناريزين 25" خلال أزمة نقص "الاستيجرون".
الأمن الدوائي أولوية قومية
وشددت رئيس القطاع الفني بالقابضة للأدوية على أن صناعة الدواء ترتبط بشكل مباشر بالأمن القومي المصري، وهو ما يدفع الدولة إلى مواصلة دعم خطط التوطين والتطوير والتوسع الإنتاجي.
وأضافت أن جميع الشركات تخضع لنفس الجهات الرقابية ومعايير التصنيع، وهو ما يضمن جودة المنتجات الوطنية، رغم أن متوسط أسعار الأدوية المنتجة بالشركات التابعة لا يزال يدور حول 40 جنيهًا فقط، مقارنة بمتوسط أسعار يبلغ نحو 90 جنيهًا في السوق المحلية.
واختتمت بالتأكيد على أن استراتيجية الدولة تستهدف بناء صناعة دوائية وطنية قوية وقادرة على المنافسة عالميًا، مع ضمان توفير دواء آمن وفعال وعالي الجودة للمواطن المصري بأسعار مناسبة، إلى جانب تعزيز فرص التصدير ودعم الاقتصاد الوطني.
ومن جانبه، قال الدكتور جورج عطاالله، عضو مجلس نقابة الصيادلة، إن صناعة الدواء تمثل أحد الركائز الأساسية للأمن القومي، مشيرًا إلى أن مفهوم "الأمن الدوائي" أصبح عنصرًا رئيسيًا في قوة واستقرار الدول، خاصة بعد التجارب التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا.
وأضاف عطاالله في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن مصر تمكنت من تجاوز أزمة الجائحة بأقل الخسائر بفضل امتلاكها منظومة صحية متماسكة وقدرة محلية على توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، لافتًا إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا كبيرًا في اهتمام الدولة بقطاع الصحة والدواء، من خلال إطلاق مبادرات صحية واسعة استهدفت تحسين جودة حياة المواطنين، من بينها مبادرات القضاء على فيروس سي و"100 مليون صحة".
وأشار إلى أن الدولة عملت كذلك على تطوير شركات الأدوية التابعة لقطاع الأعمال العام، والتي يعود تأسيس بعضها لعقود طويلة، بهدف رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المستحضرات الدوائية، إلى جانب إنشاء مدينة الدواء المصرية التي تمثل خطوة استراتيجية لدعم احتياجات السوق المحلية ومنظومة التأمين الصحي الشامل.
وأضاف أن إنشاء مؤسسات مثل هيئة الدواء المصرية وهيئة الشراء الموحد ساهم في تعزيز توافر الدواء الآمن والفعال للمواطنين، مؤكدًا أن دعم الصناعات الدوائية وتمويلها بشكل أكبر قد يفتح المجال أمام زيادة صادرات الدواء المصري، بما يسهم في توفير العملة الأجنبية وتعزيز الحضور المصري داخل الأسواق العربية والأفريقية.




