تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا جاء فيه: هل يجوز للإنسان أن يتبرع ببعض خُصَل من شعر رأسه لمستشفى سرطان الأطفال؛ بغرض صنع باروكة يلبسها أولئك الأطفال، بعد أن تسبب العلاج الكيماوي في تساقط شعر رؤوسهم؛ من باب المساهمة في تخفيف الألم النفسي عليهم؟ مع العلم أن بعض الناس يقول: إن ذلك غير جائز؛ لأنه مِن وَصْل الشعر المُحَرَّم شرعًا الملعون فاعله، ولأن المشروع في الشعر المنفصل عن الإنسان أن يُدفن، واستعماله بعد انفصاله ينافي التكريم المطلوب لأجزاء الإنسان، وكذلك لا يجوز هبة ذلك الشعر؛ لأنه ليس مملوكًا لصاحبه، ويعترضون كذلك بأنه لو كان ذلك الشعر من امرأة فإنه سيحرم النظر إليه؛ لأنه من العورة.
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: يجوز شرعًا للإنسان أن يتبرع بشيء من خصل شعر رأسه لمستشفى سرطان الأطفال بغرض صنع باروكة يلبسها أولئك الأطفال بعد أن تسبب العلاج الكيماوي في تساقط شعر رؤوسهم، والتبرع مأذون به في هذه الحالة لما فيه من المصلحة؛ وهي هنا المساعدة في تخفيف الضرر النفسي الشديد على الطفل المريض الذي سقط شعره، ومجرد وضع الشعر على الرأس دون وصله ليس من متناوَلات الأحاديث الشريفة؛ لأن النهي فيها قاصر على وصل الشعر بالشعر، كما يتأكد الجواز لكونه طفلًا دون سن التكليف؛ فلا يتعلق به التحريم.
وتابعت: أما عن حرمة النظر إلى الشعر المتبرع به إذا كان من امراة لأنه عورة؛ فإن انفصال الشعر عن المرأة يُسقِط حُرمة المس والنظر إليه.
مذاهب الفقهاء في المراد بالوصل المنهي عنه في الشرع
ورد النهي الشديد في نصوص الشريعة الإسلامية عن الوصل؛ وهو أن يوصل الشعر بشعر آخر. ومن هذه النصوص: ما رواه الشيخان واللفظ للبخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأَنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ، فَتَمَعَّطَ -أي: تَقَطَّع وتساقط- شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ».
وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ»، والواصلة: هي الفاعلة لذلك؛ سواء أكان ذلك لنفسها أم لغيرها، والمستوصلة: هي الطالبة أن يفعل ذلك بها. فهذه الأحاديث دالة على حرمة الوصل؛ لأنه لا يكون اللعن إلا على فعل محرم.
وقد اختلف العلماء في فهم هذه النصوص: هل النهي فيها قاصر على وصل الشعر بالشعر؟ أو هو متناول لمطلق الوصل وإن لم يكن بالشعر؛ كأن كان بصوف، أو قماش، أو خرق، ونحو ذلك؟
واختلفوا أيضًا فيما إذا كان الشعر الموصول مأخوذًا من غير الآدمي، هل هو كشعر الآدمي في الحكم؟
ثم اختلفوا أيضًا هل هذه النصوص في خصوص الوصل؟ أو هي متناولة أيضًا لما كان في معناه؛ كمجرد وضع الشعر على الرأس بلا وصل؟
فذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى حرمة وصل الإنسان شعره بشعر آدمي آخر، وأن الرجل والمرأة يستويان في ذلك الحكم.
وذهب الحنفية والحنابلة إلى جواز وصل الشعر بالصوف، والخرق، والوبر، ونحو ذلك.
ومنع منه المالكية والشافعية، ولكنهم استثنوا خيوط الحرير الملونة التي لا تُشْبِه الشعر، فأجازوها.
ومنع الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة من وصل الشعر بشعر غير الآدمي، وأجازه الحنفية.
ثم أجاز الشافعية -في الأصح- للمتزوجة أن تصل شعرها بإذن الزوج بالشعر الطاهر إذا كان من غير آدمي.

