قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

مجدي أبوزيد يكتب: صراخ لجان الثانوية العامة.. حين يصبح منع الغش جريمة

مجدي أبوزيد
مجدي أبوزيد

"اللجنة صعبة والمراقبين قافلين علينا!".. جملة تقليدية مكررة تكاد تسمعها في محيط كل مدرسة فور خروج طلاب الثانوية العامة من قاعات الامتحانات.. للوهلة الأولى، قد يظن العابرون أن الطلاب يشتكون من صعوبة الأسئلة أو تعقيد المنهج، لكن الحقيقة الصادمة - في كثير من الأحيان - هي أن تلك الشكوى الممزوجة بالدموع تعني عبارة واحدة ومحددة: «لم نتمكن من الغش!».

​هذا الصراخ الذي يراه البعض محزناً واستقواءً على المنظومة، هو في الواقع علامة صحية ومفرحة؛ لأنه يحمل دلالة واضحة على أن هناك انضباطاً حقيقياً داخل القاعات، وأن المراقبين يقومون بدورهم الوطني والتربوي لحماية الأمانة العلمية. لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في قسوة المراقبة، بل في خلفيات هذا الصراخ وثقافتنا المجتمعية التي تشوهت بمرور الوقت.

​إن المشكلة الحقيقية لا تبدأ من باب اللجنة، بل هي نتاج وثمرة سلوك عام اعتاد عليه الكثير من الأبناء والشباب في الشارع والبيت على حد سواء. فعندما ينشأ الطالب في بيئة تغيب عنها قيمة النظام، ويرى الفوضى والتجاوز يمران يومياً دون حساب أو رادع، يصبح الالتزام بالقانون وتطبيق القواعد بالنسبة له "حالة شاذة" وضغطاً نفسياً لا يطاق.

​والأخطر من ذلك، هو الدور التربوي المنكوس الذي يلعبه بعض أولياء الأمور؛ فبدلاً من أن يكون الأب أو الأم حائط صد لغرس قيم الاعتماد على النفس والنزاهة، نرى تحريضاً علنياً - مباشراً أو غير مباشر - ضد المراقبين وإدارات المدارس، ومطالبات مستمرة بـ"تسهيل الأمور" تحت مسميات واهية مثل "مراعاة ظروف الطلاب وضغط الامتحانات".

هذا التحريض الخطير يحول المراقب المنضبط في نظر الطالب من قاض عادل يحمي حقه وحق زملائه، إلى "عدو لدود" يحرمه من نجاح زائف يراه حقاً له!

​ورغم الأهمية القصوى لهذا الحزم الصارم، إلا أن هناك شقاً آخر غاية في الخطورة والأهمية تطرحه هذه المعادلة، وهو "العدالة الكاملة في تطبيق الانضباط". ​لا يستقيم أبداً - عقلاً ولا عدلاً - أن ينعصر طالب جهداً وعرقاً في لجنة منضبطة تمنع الهمس والالتفات، بينما يحصد طالب آخر نفس الدرجات - أو ربما أعلى - في لجنة فوضوية بمحافظة أخرى، أو في مركز ناءٍ يُباح فيه الغش وتُخترق فيه القوانين.

​هذا التفاوت الجزئي في تطبيق القانون لا يربي جيلاً منضبطاً، بل يخلق شعوراً مريراً بالظلم والقهر والاضطهاد لدى الطلاب المتفوقين وأسرهم. فالانضباط لا يجب أن يكون مجرد "جزر منعزلة" تفصلها جغرافيا المحافظات أو نفوذ بعض العائلات؛ بل يجب أن يكون سياسة عامة، حاسمة وقاطعة، تُطبق بـ"المسطرة" من أقصى البلاد إلى أقصاها دون مواربة.

​إن تشديد الرقابة وتجفيف منابع الغش في امتحانات الثانوية العامة ليس تعذيباً للطلاب ولا ترصداً لهم، بل هو طوق النجاة الوحيد لكل من ذاكر واجتهد وسهر الليالي باحثاً عن مستقبله بشرف. ​وإذا كان الانضباط يزعج من اعتادوا الفوضى، فليرتفع صراخهم وضجيجهم كما يشاء.. شريطة أن تكون "المسطرة واحدة" على الجميع، وأن تتساوى الرؤوس في الحقوق والواجبات، دون تمييز أو تهاون في أي لجنة على مستوى الجمهورية؛ فالتعليم هو خط الدفاع الأخير لبناء الأمة، والتهاون في امتحاناته هو هدم ممنهج لمستقبلها.