قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: تكنولوجيا الحفر تؤمن طاقة مصر

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

لم يكن "الذهب الأسود" والغاز الطبيعي يوماً مجرد سلعتين تجاريتين، بل هما عصب الحضارة الحديثة، وشريان الحياة اليومية لشعوب العالم، وميزان القوى الاقتصادي الذي يصنع الفارق بين النمو والركود. لكن في عالم صناعة النفط، ثمة "عقدة أزلية" وصدمة مدوية تخشاها شركات التنقيب؛ تلك اللحظة الحرجة التي تتحول فيها الآبار فجأة من ضخ الزيت الخام إلى تدفق مياه جوفية خانقة، فيما يُعرف علمياً بظاهرة "التداخل المائي" (Water Coning).

​وفي الماضي، كانت هذه الظاهرة بمثابة شهادة وفاة للبئر المنتج، تضطر الشركات معها إلى إغلاقه مرغمة لفترات طويلة، بعد أن تيأس الحلول التقليدية من إعادة النبض إليه، معلنةً ضياع استثمارات هائلة تحت الركام الصخري. إلا أن معادلة الطاقة الحالية لم تعد تعترف بالاستسلام؛ أمام الارتفاع الملحوظ لفاتورة استيراد المنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات السوق المحلية، لذا أصبحت الجهود الميدانية وتطويع العلم خط الدفاع الأول عن استقرار الاقتصاد القومي. والمعادلة هنا واضحة وحاسمة: "كل برميل إضافي يُنتج محلياً، أو يُعاد إحياؤه من رقاده، ينعكس مباشرة على موازنة الدولة"؛ كونه يعني كبحاً لجموح فاتورة الاستيراد، وخطوة واثقة إلى الأمام نحو تعزيز أمن طاقة مستدام.

​هذه القناعة فرضت الاعتماد على الثورات التكنولوجية العالمية الجديدة التي تبنتها وزارة البترول والثروة المعدنية مؤخراً، والمتمثلة في ثنائية "الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي" للتعامل مع "الطبقات ذات الطبيعة الصلبة أو الضيقة". ولتقريب المفهوم ببساطة عزيزي القارئ، فإن الطبقات المنتجة التقليدية تشبه "الإسفنجة" التي يتدفق منها النفط تلقائياً، أما هذه الطبقات الصعبة والقاسية فتشبه "الخرسانة المسلحة"؛ حيث تحبس الثروة المستهدفة داخل مسامات معزولة وصخور شديدة القساوة تعجز طرق الحفر العادية عن اختراقها.

​وهنا يكمن الإلهام التكنولوجي؛ إذ يأتي الحفر الأفقي ليلتف بذكاء ويخترق هذه الطبقات الخرسانية عرضياً لمسافات طويلة، يتبعه التكسير الهيدروليكي بضخ سوائل تحت ضغط هائل يقوم بـ "صعق" تلك الصخور وتفتيتها؛ ليفتح الممرات الضيقة عنوة ويصنع شبكة مسارات اصطناعية تتدفق عبرها الثروات المحبوسة، مما يفتح آفاقاً مبتكرة لمضاعفة معدلات استخراج الزيت الخام والغاز من أعماق تلك الطبقات المنتجة.

​وتأتي هذه الجهود الواعدة نتاجاً مباشراً لوفاء الدولة المصرية بتعهداتها لصالح الشركاء المستثمرين، عبر سداد المستحقات والانتظام في الوفاء بالالتزامات المادية وتقديم حوافز جاذبة. هذا الالتزام وضع الشركاء أمام تحدٍ واضح لإثبات حسن النوايا، وترجمة هذه الشراكة الاستراتيجية إلى ضخ سريع لرؤوس الأموال والتكنولوجيا المتقدمة، من أجل تعظيم الاستفادة من الثروات البترولية القائمة.

​وتجلت ثمار هذا المناخ الاستثماري المرن، في نجاح ملموس حققته على أرض الواقع شركة بدر الدين للبترول بأحد حقولها الواقعة بالصحراء الغربية؛ حيث ساهمت التكنولوجيات الحديثة المستخدمة بتوجيهات وزارية تستحق الإشادة بمنطقة "بدر 15" في تسريع وتيرة العمل، لينضم هذا الكشف الواعد الجديد إلى خارطة الإنتاج الفعلي بنهاية الشهر الجاري. ويأتي هذا النجاح بمعدل ضخ يومي يبلغ خمسة عشر مليون قدم مكعب من الغاز و500 برميل متكثفات، بجانب إضافة احتياطيات مؤكدة تُقدر بنحو 15 مليار قدم مكعب.

​ويُوجز هذا الإنجاز نجاح برنامج موسع أسفر خلال العام المالي الحالي عن تنفيذ 40 عملية تكسير هيدروليكي ناجحة في مختلف الطبقات المنتجة؛ أضافت مجتمعةً أكثر من 10 آلاف برميل نفط خام، وما يزيد على 15 مليون قدم مكعب غاز يومياً إلى إجمالي معدلات الإنتاج القومية.

​وتأخذنا هذه النتائج الميدانية الملهمة إلى استدعاء واحدة من أبرز التجارب العالمية؛ حين غيرت الولايات المتحدة الأمريكية خارطة الطاقة الدولية وتحولت من أكبر مستورد إلى أكبر مصدّر عبر "ثورة الغاز الصخري". حيث لم يكن ذلك الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة دمج فكر إداري مرن استثمر في "المغامرة المحسوبة"، مع تبني أطر علمية وهندسية جريئة حطمت قوالب اليأس الجيولوجي.

​إن ما تحققه الدولة المصرية اليوم بسواعد أبنائها المخلصين، يثبت بالدليل الرقمي القاطع أن كسر "العقد الأزلية" في حقولنا النفطية ليس مستحيلاً؛ إذا استمر تدفق الأفكار والاستراتيجيات التكنولوجية الحديثة، والتحلي بالمرونة الإدارية وتطويع العلم، ليكون كل ما سبق بمثابة ركائز أساسية تقودنا إلى تعزيز أمن الطاقة، وبناء مستقبل اقتصادي يليق بمصر.