في لحظات الفرح، تسقط الأقنعة، ويظهر ما اختزنته النفوس من قيم وتربية ووعي. لذلك، لا تُقاس الأمم فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تحتفل بها بهذه الانتصارات.
ما شهدته منطقة "الفان زون" بالعاصمة الإدارية الجديدة عقب مباراة مصر ونيوزيلندا لم يكن مجرد مشهد عابر لانفعال جماهيري، بل كان مرآة تعكس جانبًا من علاقتنا بالمكان، وبالمال العام، وبمعنى الانتماء الحقيقي.
كانت الفرحة تستحق أن تُعاش بكل تفاصيلها، لكن بعض المظاهر المؤسفة، من إلقاء المخلفات في الطرقات، وإتلاف بعض التجهيزات المخصصة للجمهور، ومنها مقاعد الـ"بين باج"، حولت مشهدًا كان من الممكن أن يكون مصدر فخر إلى سؤال مؤلم: لماذا نعجز أحيانًا عن الاحتفال دون أن نترك خلفنا أثرًا من الفوضى؟.
العاصمة الإدارية الجديدة ليست مجرد مدينة حديثة، بل رسالة تعلن أن مصر تمضي بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر تطورًا. لكن جمال المكان تكتمل صورته حين يلتقي بوعي الإنسان. فالحضارة لا تقتصر على ما نبنيه من منشآت، بل تمتد إلى الطريقة التي نتعامل بها معها، ونحافظ بها عليها.
فالمال العام ليس ملكًا لجهة أو مؤسسة، بل هو حق لكل مواطن، وكل مقعد أو مرفق أو تجهيز يُتلف هو جزء من حق المجتمع كله. وحين نحافظ عليه، فإننا لا نحمي قطعة أثاث أو مرفقًا عامًا، بل نحافظ على صورة وطن نريدها دائمًا مشرقة.
ولعل مثل هذه المواقف تمنحنا فرصة لإعادة التأكيد على أهمية نشر ثقافة السلوك العام. فإلى جانب ما نشهده من تطوير عمراني وإنشاء مدن ومنشآت تليق بمصر، تظل حملات التوعية المستمرة ضرورة لا تقل أهمية، لترسيخ قيم احترام المكان، والمحافظة على الممتلكات العامة، والاحتفال بصورة حضارية تعكس أخلاق المجتمع المصري. فالوعي لا يُولد مع الإنسان، بل يُغرس بالتربية، وتدعمه المدرسة، والإعلام، والمؤسسات، حتى يصبح سلوكًا تلقائيًا في كل موقف.
إن أجمل انتصار ليس ذلك الذي ينتهي بصافرة الحكم، بل الذي يترك بعده صورة جميلة في ذاكرة كل من شاهدنا. فالعالم قد ينسى نتيجة مباراة، لكنه لا ينسى سلوك جمهور.
ولأننا نحب هذا الوطن، فإن أجمل احتفال نهديه إليه هو أن نترك المكان كما وجدناه، وأن نعبر عن فرحتنا بما يليق بتاريخنا وثقافتنا. فالأوطان لا تُعرف فقط بما تبنيه من مدن، بل بما يتركه أبناؤها من أثر... والأثر الجميل يبدأ دائمًا من سلوك جميل.
"فالسلوك الحضاري ليس تقييدًا للفرح، بل هو أرقى أشكال التعبير عنه".