قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: الانعطاف الكبير وقراءة في خارطة الشرق الأوسط بعد التحول الإيراني

ياسر إبراهيم عبيدو
ياسر إبراهيم عبيدو

لا تقف حركة التاريخ عند حدود التفاهمات السياسية العابرة، بل إنها تدور مع السنن الكونية التي تقضي بأن البقاء للأصلح والأنفع للناس، وأن الدوام في عالم السياسة هو للمصلحة والاستقرار لا للشعارات والاندفاعات الثورية. وفي محكم التنزيل، يلخص لنا القرآن الكريم مآلات التحولات الإنسانية في آية جامعة مانعة تعكس حتمية زوال الزبد وبقاء ما ينفع العباد، حيث يقول جل وعلا: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال. وانطلاقاً من هذه الرؤية العميقة، فإن التنبؤ بمستقبل إيران ومنطقة الشرق الأوسط في أعقاب الاتفاق الأمريكي الإيراني، يتطلب منا تجاوز القراءات الآنية السطحية، والغوص في تفاصيل الخارطة الجيوسياسية الجديدة التي تتشكل ملامحها في أفق العقد القادم.

إننا لا نتحدث هنا عن مجرد هدنة مؤقتة بين خصمين لدودين، بل نتنبأ بـالشرق الأوسط الجديد الذي ستقوده لغة الأرقام، وتوازنات المصالح، وممرات الطاقة، بدلاً من أيديولوجيات المواجهة وصراعات الوكالة.

إيران القادمة: من الثورة العابرة إلى النمر الاقتصادي الإقليمي

تُشير القراءة الاستشرافية لمستقبل الداخل الإيراني إلى أننا بصدد معايشة تحول تدريجي، لكنه حتمي، في بنية النظام وسلوكه. إن التنبؤ بمستقبل إيران لا يعني انهيار المنظومة الحاكمة، بل يعني أقلمتها وإعادة صياغة أولوياتها؛ حيث يتوقع أن تشهد السنوات المقبلة ما يلي:

صعود تيار التكنوقراط والتنمية: سيتقدم إلى واجهة صنع القرار جيل جديد من القيادات الإيرانية التي ترى في دمج إيران بالمنظومة المالية العالمية (مثل نظام سويفت والاستثمارات الغربية والآسيوية) معركتها الحقيقية، بدلاً من معارك السيطرة على العواصم الإقليمية.

بروز شرعية الإنجاز: سيتحول الميزان الداخلي من قياس الولاء الأيديولوجي إلى قياس القدرة على لجم التضخم، وتوفير فرص العمل لقطاع الشباب العريض، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة لقطاعي النفط والغاز.

الانكفاء الحذر نحو الداخل: ستفرض لغة المصالح على طهران تقنين الدعم المالي والعسكري الخارجي، والالتفات إلى معالجة الأزمات البيئية والمائية والاقتصادية المتراكمة التي باتت تهدد السلم الاجتماعي الداخلي.

زلزال في البنية الإقليمية: مصير الأذرع والتحالفات الناشئة

هذا التحول في السلوك الإيراني ستكون له ارتدادات زلزالية على المشهد الإقليمي، ويمكننا التنبؤ بملامح هذا الشرق الأوسط الجديد عبر ثلاثة مسارات أساسية:

أولاً: خريف الفاعلين من غير الدول والميليشيات المسلحة

إن الأذرع الإقليمية التي اقتاتت لعقود على خطاب الممانعة والمواجهة ستجد نفسها أمام شتاء استراتيجي قارس. فمع تحول واشنطن من خصم إلى شريك تفاوضي لطهران، سيفقد السلاح العابر للحدود وظيفته كأداة للضغط وتحسين شروط التفاوض. سنتنبأ هنا بتحول هذه الكيانات المسلحة في العراق، ولبنان، واليمن، إلى أحزاب سياسية محلية مرغمة على الانخراط في بيئتها الوطنية، أو مواجهة التفكك بعد جفاف منابع الدعم الاستراتيجي، وهو ما يعيد للدولة الوطنية هيبتها وسيادتها المفقودة.

ثانياً: بزوغ معاهدات الأمن الإقليمي والترابط الاقتصادي.

بدلاً من محاور الممانعة والاعتدال التي قسمت المنطقة لعقود، نتنبأ بظهور شبكة من العلاقات القائمة على الترابط النفعي الجيواقتصادي. ستصبح خطوط الغاز والسكك الحديدية المشتركة، ومشاريع الربط الكهربائي بين دول الخليج، وإيران، والعراق، ومصر، هي الضامن الحقيقي للأمن الإقليمي. إنها صياغة لمعادلة صفرية المشاكل، حيث تصبح كلفة الحرب باهظة ومدمرة لجميع الأطراف المستفيدة من عوائد التنمية.

ثالثاً: إعادة تموضع القوى الدولية في المنطقة

إن الدمج الأمريكي لإيران في النظام الإقليمي سيعيد ترتيب أوراق القوى الكبرى. فالصين التي رعت تفاهمات سابقة ستجد في استقرار المنطقة بيئة مثالية لمشروعها الحزام والطريق، بينما ستجد روسيا نفسها أمام حاجة لإعادة تقييم تحالفاتها في ظل ابتعاد طهران عن سياسة المحاور الحادة والمواجهة الصفرية مع الغرب.

التحدي التاريخي وسنة التغيير

إن الشرق الأوسط الذي نتنبأ به ليس شرقاً أوسط مثالياً خالياً من التنافس، بل هو شرق أوسط انتقل فيه التنافس من الساحة العسكرية والأيديولوجية المدمرة إلى الساحة الاقتصادية والتنموية. ويبقى التحدي الأكبر كامناً في قدرة النخب الحاكمة في المنطقة على استيعاب هذه السنة الإلهية والتاريخية؛ سنة التغيير والتحول. فالمستقبل لن يرحم الكيانات التي تقف جامدة عند أطلال الماضي وشعاراته، بل سيكون حليفاً لمن يملك الرؤية الشاملة، والقدرة على تحقيق النماء، وبناء الجسور، وحفظ مصالح العباد.

إنها مرحلة انتقالية كبرى، وإذا ما أحسنت دول المنطقة قراءة هذا التحول التاريخي لإيران، فإن الشرق الأوسط قد يودع عقوداً من الدمار، ليستشرف عقوداً من البناء والاستقرار والتوازن القائم على احترام سيادة الدول وتحقيق رفاهية الشعوب.