قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: الرحلة الأسرية تبنى على الفضل لا العدل

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

يتشكل الأساس التربوي للرحلة الأسرية من الحد الأدنى المعقول للوعي بالحقوق والواجبات تلافيًا للفوضى وتحقيقًا للعدل، غير أن هذه المنظومة الاجتماعية الإنسانية لا تستقيم بالأداء الجاف للمهام الراتبة اليومية، بل ترتقي خطوة أسمى نحو واحات التسامح والعطاء الطوعي في سياق من الإيجابية اللامحدودة، عندما تتحول المسؤوليات بمحض الإرادة في بيئة السكينة والاستقرار إلى ممارسات وجدانية عميقة نابعة من قيم الاحترام المتبادل والتضامن الأخلاقي؛ حينئذ يصبح تحمل الأعباء مع الآخرين ومساعدتهم مسارًا مدفوعًا بوعي وحكمة ترصد في الاحتواء ومراعاة المشاعر الخيار الأجمل للعيش المشترك.

ويتجاوز البناء الأسري القويم فكرة الحسابات الرقمية والمقايضة القانونية الجافة التي تبحث عن الإنصاف في سياقه المتعارف عليه، ويتسامى أفراد الأسرة الواحدة في تعاملاتهم اليومية ليعبروا من الوعي في إطار فلسفة النظام إلى الالتزام الوجداني الراقي؛ فيغدو الإيثار وبذل المعروف دون انتظار مقابل هو السلوك الطبيعي السائد الذي يمنح الحياة دفئها؛ لتتحول الشراكة الإنسانية من صيغة أداء واجبات مفروضة إلى رحلة ممتدة من المودة والفضل تذوب فيها منغصات الدهر ونوازله، وتتحقق من خلالها أسمى معاني التراحم والانسجام التي تبني مجتمعًا متماسكًا متحابًا.

ويسعى البناء الأسري السليم إلى اعتماد الحوار البناء بديلًا عن سلطة القسر والتحكم، وبذلك تستعيد الأسرة فلسفة "المائدة المستديرة" ليتلاقى جيل الآباء والأبناء في مساحة آمنة، تتجاوز صيغ الإملاءات أو الجبر أو صورة الفرض الإلزامية، إلى رحابة الاختيار والإقناع والإمتاع، وهذا التواصل يعزز الثقة بالنفس والمودة المتبادلة في النفوس، مثلما يثمر حافزًا ذاتيًا يستكمل به أفراد الأسرة رحلتهم نحو غاياتهم المتطلعة، مستمدين طاقتهم من القدوة الصالحة المعبرة عن روح الأبوة والأمومة؛ ليتأكد كل فرد في الأسرة أن العلاقات بين الشركاء تسير بالتسامح والعطاء التلقائي، الذي يتخطى الحسابات المادية على وجه الخصوص، وتأسيسًا لمعيارية غرس الفضل كثمرة يانعة ما دامت الحياة ماضية.

ويقتضي منطق الفضل تغليب المصلحة الكلية للكيان الأسري على الانتصار للمواقف الشخصية، أو التصلب عند الرغبات الفردية الآنية، وتظهر هذه الحكمة السامية في مرونة التنازل وثقافة التغافر عند العثرات، مع تجاوز الحسابات الضيقة للمخطئ والمصيب بعبور الخلافات نحو مرافئ التماس الأعذار، وذلك يكسب البناء الأسري مناعة نفسية في مواجهة الهزات المختلفة، ويؤمن للمخطئ بيئة صالحة للتقويم الذاتي دون مهانة أو تقليل أو تقزيم، لتبقى المودة والمسامحة المعيار الحاكم للعلاقة، بعيدًا عن الأعراف والتقاليد في سياقها المجرد، التي قد تباعد بين القلوب وتذيب ماهية دفء الاستقرار.

ويسمو العطاء الأسري فوق فكرة المقايضة، أو انتظار المقابل المادي؛ ليرتقي نحو آفاق الشكر والثناء على الجهود المبذولة مهما صغرت؛ حيث يسهم هذا النهج في إرساء ثقافة الامتنان والتقدير المتبادل، وينشر طاقة إيجابية تدفع الجميع إلى البذل برضا نفسي واطمئنان قلبي؛ لتغدو الكلمة الصادقة واللمسة الحانية وقودًا يوميًا يجدد حيوية العلاقات الإنسانية، ويزرع في نفوس فلذات الأكباد أن العطاء قيمة تستحق الاحتفاء المستمر؛ فتستمر الرحلة المشتركة مدفوعة بجميل التسامح والإيثار، كي لا تجفف المودة بين القلوب.

ويتجاوز العيش المشترك صورة التواجد المادي تحت سقف واحد؛ ليمتد إلى صناعة لحظات وجدانية مكثفة تجمع الأفراد في مساحات من البهجة والمشاركة الروحية؛ إذ يبرز هذا النهج في استثمار الأوقات وبناء الذاكرة العاطفية، عبر ابتكار طقوس أسرية دورية تلتقي فيها النفوس قبل الأبدان؛ ليساهم هذا العطاء في شحن الرصيد الانفعالي، الذي تستمد منه الأسرة قوتها في أوقات الشدة، ويترك في وجدان الأبناء ذكريات دافئة تظل حية تشكل صمام أمان سلوكي طوال حياتهم؛ لتصبح العلاقة بينهم فضلًا مستمرًّا يتخطى حدود العدالة في معناها الضيق.

وتؤدي المناعة القيمية للأسرة إلى تحقيق الاستيعاب الكامل للفروق الحياتية؛ لتبرز أهمية الاحتواء الفكري والنفسي لتجاوز صراع الأجيال حين يواجه الآباء التغيرات الأيديولوجية والرقمية المتسارعة بذكاء وتنمية لإدراك الأبناء، وينتج عن ذلك منع الصدام المعرفي والحد من الاغتراب النفسي؛ ليثمر في النهاية جيلًا متوازنًا يتفاعل بإيجابية مع حاضره ويرسم خطى مستقبله وعيًا بفضل الأسرة الكريم في رحلته الآنية والمستقبلية، لتستمر الحياة في ظلال التسامح والإيثار بعيدًا عن الحدود التي باتت مفرقة للقلوب.

ويسهم البناء القيمي القائم على الفضل في مناهضة المادية وتوريث سيكولوجية العطاء عبر الأجيال، ليكون سياج وقاية يحمي المحيط الأسري من التبادل النفعي البحت في عالم يميل إلى الاستهلاك، وهو ما يترجمه الوالدان سلوكًا مشاهدًا آناء الليل وأطراف النهار؛ فينتقل الفضل من ممارسة يومية عفوية إلى منهج حياة يتوارثه الأبناء كابرًا عن كابر، لينشأ جيل جديد مشبع بروح الإيثار والمبادرة بتقديم العون، ممتدًا بأثره النبيل ليكون سلوكًا مجتمعيًا شاملًا ينطلق من نواة البيت الدافئ.