قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

علي جمعة: القلب إذا استنار بالإيمان قاد العقل إلى الحكمة والسلوك إلى الصواب

علي جمعة
علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن في الإنسان قلبٌ، وعقلٌ، وسلوكٌ؛ ولا يستقيم حاله إلا إذا كان القلب المستنير بالإيمان موجِّهًا للعقل، وكان العقل الرشيد ضابطًا للسلوك.

معاني الإيمان والخشية من الله

واضاف جمعة، في منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن القلب يتلقى عن الله معاني الإيمان، والخشية، والرضا، والتسليم، والعقل يفهم ويميِّز ويقدِّر العواقب، ثم يأتي السلوك ترجمةً لما استقر في القلب وأدركه العقل.

وأشار إلى أنه بهذا الترتيب يصبح الإنسان عبدًا ربانيًّا، يجد أمر الله ونهيه محلًّا في نفسه، فلا تتحرك جوارحه قبل أن يتدبر عقله، ولا ينفرد عقله عن نور الإيمان وهداية القلب.

ولكن المشكلة التي نعيشها أن هذا الترتيب قد انعكس عند كثير من الناس؛ فسيطر السلوك على العقل، وسبق النشاطُ التفكيرَ، وسيطر العقل المجرد على القلب حتى أسكته.

فيرى الإنسان شهوةً، أو مصلحةً، أو منفعةً عاجلةً، فيبادر إليها من غير حكمة، ولا روية، ولا تفكر في العواقب. ثم يأتي العقل بعد وقوع الفعل، لا ليحاسبه ويصحح مساره، ولكن ليبحث له عن المبررات والمخارج.

فإذا حدَّثه قلبه بأن ما فعله قد يكون خطأً، أو شبهةً، أو أمرًا لا ينبغي، أسكت صوت قلبه، وأخذ يؤوِّل ويبرِّر، ويلف ويدور؛ حتى يطمئن إلى ما أراد، لا إلى ما أراده الله منه.

أما إذا استنار القلب بالإيمان، فقاد العقلَ إلى الحق، وقاد العقلُ السلوكَ إلى الصواب، ظهر ما نسميه نور العقل.

ونور العقل نور رباني يظهر أثره عندما يستقيم باطن الإنسان وظاهره، ويصبح مفتاحًا يعينه على إدراك نعم الله ومننه، وعلى النظر إلى ما أُعطي، لا إلى ما فاته، وإلى من هو دونه في أمور الدنيا، لا إلى من هو فوقه؛ فيحمد الله، ويرضى، ويشكر.

قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269].
والعقل لا يكون منيرًا إلا بالعلم النافع، والعلم النافع هو الذي يزيد صاحبه معرفةً بالله، وخشيةً منه، وقيامًا بأمره.

قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ [البقرة: 282].وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
وقال عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9].
فالعلم في ميزان الهداية ليس مجرد معلومات متناثرة، ولو كانت كثيرة ودقيقة، وإنما هو علم يفتح للإنسان باب المعرفة، ويجعله يرى في كل شيء آيةً تدل على وحدانية الله وعظمته وحكمته.

فالعالم حقًّا هو الذي يرى في الكون دلائل ربه، فتجري على لسانه كلمات الذكر: لا إله إلا الله، وسبحان الله، وحسبنا الله، وإنا لله، وما شاء الله.

ولا يقولها بلسانه فحسب، ولا يفهمها بعقله فقط، وإنما يؤمن بها في قلبه، ويعيش معانيها بكيانه كله.

فهناك فرق كبير بين أن تقول: «سبحان الله» بلسانك، وبين أن تفهم معناها بعقلك، وبين أن يستقر معناها في قلبك، وبين أن تعيش في حياتك حقيقة التنزيه والتسليم لله.
وهناك فرق بين أن تقول: «لا إله إلا الله»، وبين أن تتحرر بها من الخوف من الخلق، والتعلق بهم، والخضوع لشهوات النفس.

وهناك فرق بين أن تقول: «حسبنا الله»، وبين أن تجد في قلبك حقيقة التوكل والكفاية والثقة بالله.
فهذه الكلمات العظيمة لا يكفي أن تُتلى بالألسنة، بل ينبغي أن تُفهم بالعقول، وتستقر في القلوب، وتظهر آثارها على الجوارح والسلوك.

فإذا عاشها الإنسان، وجد حلاوتها، واستقامت بها حياته، وسطع في داخله نور العقل.

إن نور العقل يصفو عندما يكون القلب المستنير بالإيمان موجِّهًا، والعقل المتدبر ضابطًا، والسلوك تابعًا لهما.

أما إذا سبق السلوكُ العقلَ، وغلب العقلُ القلبَ، انعكس الحال واضطربت الموازين؛ وهذا من البلاء الذي نراه في عصرنا، حين يتحرك الإنسان أولًا، ثم يفكر بعد ذلك، ثم يبحث عن مبرر لما فعل.
فأعد ترتيب حياتك: دع قلبك المؤمن يوجِّه عقلك، ودع عقلك الرشيد يضبط حركتك، واجعل علمك سبيلًا إلى الله، لا حجابًا عنه.
فليس المقصود أن نلغي العقل، بل أن نستنيره بالإيمان، وليس المقصود أن نتبع العاطفة، بل أن نطهِّر القلب حتى يكون موضعًا للحكمة والبصيرة.
فإذا استنار القلب بالإيمان، واستقام العقل بالحكمة، انضبط السلوك، وأشرق في الإنسان نور العقل.