شهدت الدولة المصرية حدثاً تاريخياً وسيادياً بارزاً يمثل منعطفاً مهماً في مسيرة بناء الدولة الحديثة، وهو افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمقر "القيادة الاستراتيجية للدولة" في العاصمة الجديدة، وذلك بالتزامن مع الذكرى السنوية لثورة الثلاثين من يونيو، ليعكس دلالات عميقة ترتبط بمفاهيم القدرة الردعية، وإدارة الأزمات المعقدة، والتحول الشامل نحو التحديث المؤسسي والاقتصادي.
جاءت كلمة الرئيس السيسي بمثابة وثيقة عمل وطنية، لم تقتصر على استعراض الإنجاز العسكري والتكنولوجي لهذا الصرح العملاق، بل تجاوزت ذلك لترسم ملامح السياسة الخارجية والداخلية لمصر في ظل إقليم يعج بالاضطرابات، معلنة الانتقال من مرحلة "تثبيت استقرار الدولة" إلى مرحلة "الانطلاق نحو النمو المستدام" عبر حزمة من التوجيهات المباشرة للحكومة تمس الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية.
فلسفة الصرح الجديد والتحول في منظومة القيادة والسيطرة
إن اختيار العاصمة الجديدة لاحتضان هذا الصرح، لم يكن مجرد إجراء تنظيمي أو مكاني، بل جاء كتعبير حي عن ركائز مصر الحديثة؛ فالقيادة الاستراتيجية تمثل قفزة نوعية غير مسبوقة في منظومة القيادة والسيطرة وإدارة العمليات على المستوى القومي.
وتعتمد هذه المنظومة على بنية تكنولوجية فائقة التقدم، وأنظمة اتصالات شديدة التأمين، وقدرات استثنائية في جمع وتحليل البيانات والمعلومات، مما يتيح ربط كافة المستويات القيادية والتنفيذية للدولة في إطار موحد، يضمن تحقيق أعلى مستويات التكامل، والدقة، وسرعة الاستجابة اللحظية للمتغيرات.
ولا تقتصر مهام هذه القيادة على إدارة المواقف العسكرية والأمنية فحسب، بل تمتد لتكون الركيزة الأساسية لإدارة الأزمات القومية والظروف الاستثنائية بشتى أنواعها، وفق رؤية علمية شاملة لحماية الأمن القومي واستقرار الوطن.
تلازم الأمن والتنمية والعمق التاريخي لذكرى الثلاثين من يونيو
ويرتبط افتتاح هذا الصرح برابط وثيق مع ثورة الثلاثين من يونيو، التي استرد فيها الشعب المصري هويته الأصيلة وحمى دولته من براثن الفوضى والإقصاء والتطرف.
وأكد الرئيس - في خطابه - على عقيدة الدولة الراسخة بأن حماية الأوطان، مسئولية مقدسة لا تقبل التهاون، وأن الردع وحماية الحدود وصون المقدرات، تمثل خطوطا حمراء تحميها إرادة شعبية واقتدار عسكري مشهود، مع التمسك التام بالسلام كخيار استراتيجي.
ومنذ اللحظة الأولى لتولي المسؤولية، رفضت القيادة السياسية تعطيل مسيرة البناء والتحديث، وخاضت معركة التنمية جنبا إلى جنب مع معركة مكافحة الإرهاب، متوجهة بتحية الإجلال للشعب المصري لوعيه وتضحياته، ولرجال القوات المسلحة والشرطة المدنية الذين خاضوا معركة ضروسا نيابة عن المنطقة والعالم بأسره؛ لاستئصال الإرهاب من جذوره وتجفيف منابع تمويله.
فاتورة الاستقرار وتحليل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة
لقد وضعت الكلمة الرئاسية المواطن المصري أمام الحقائق والبيانات المدققة والموضوعية فيما يتعلق بحجم الأزمات الاستثنائية المتلاحقة التي عصفت بالمنطقة والعالم وألقت بظلالها على الدولة المصرية.
وبدأت هذه السلسلة من الأزمات الممتدة من تداعيات أحداث الأعوام بين 2011، 2014، مرورا بحرب الإرهاب، وجائحة كورونا، والحرب الروسية / الأوكرانية، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وصولا إلى المواجهات الجارية في إيران.
ولم تكن مصر بمعزل عن هذه الصدمات الخارجية؛ حيث ترتب عليها خسائر اقتصادية مباشرة وجسيمة، تجسدت بشكل واضح في فقدان أكثر من 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، نتيجة للاعتداءات المستمرة على السفن الملاحية في منطقة باب المندب، فضلا عن الارتفاعات القياسية في أسعار الطاقة والغذاء العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد، واستقبال ملايين النازحين الذين وجدوا في مصر ملاذا آمنا، وسط محيط مضطرب. ورغم هذه الأعباء، واصلت مصر دورها الدبلوماسي والإنساني المضني لوقف الحروب، وحقن الدماء، والحد من التصعيد الإقليمي.
الدبلوماسية المصرية وصياغة أسس السلام الشامل في الشرق الأوسط
وفي إطار القراءة السياسية للمشهد الدولي والإقليمي، عبر الرئيس السيسي عن التقدير لجهود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تكللت بالتنسيق مع مصر إلى التوصل لاتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب في غزة، والنجاح اللاحق في إبرام اتفاق وقف الحرب مع إيران، مشددا على الأهمية القصوى لدعم هذه الاتفاقات وتنفيذها بالكامل، دون مواربة أو تقويض.
وانطلاقا من الخبرة التاريخية العميقة لمصر، باعتبارها أول دولة أبرمت اتفاق سلام في المنطقة، جدد الخطاب الرئاسي التأكيد على أن الحل الجذري والوحيد لكافة نزاعات الشرق الأوسط، يكمن في إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفقا لمقررات الشرعية الدولية؛ إذ لا يمكن تحقيق سلام دائم أو تنمية حقيقية للشعوب دون إنهاء الاحتلال ورفع الظلم، ليتسنى للمنطقة الدخول في عهد جديد من الرخاء والتعاون المشترك.
الشراكات الاستراتيجية الدولية والطاقة النظيفة للمستقبل
وتأكيدًا على المضي قدما في مسيرة البناء وتشييد دعائم الدولة الحديثة، أعلن الرئيس السيسي عن حدث مرتقب وتاريخي، يتمثل في تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الثانية في محطة الضبعة النووية خلال أيام معدودة.
ويمثل هذا المشروع الضخم قمة الشراكة الاستراتيجية التنموية بين مصر وروسيا؛ حيث توجه الرئيس السيسي بالشكر والتقدير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبلاده على هذا التعاون البناء.
وتكتسب محطة الضبعة أهمية قصوى كونها ستسهم بشكل مباشر في تحقيق التنمية المستدامة، وعبر توفير الطاقة النظيفة والآمنة للاستخدامات المنزلية والمشروعات الاستثمارية والصناعية الكبرى، مما يدعم ركائز الاقتصاد الوطني للمستقبل.
التكليفات الرئاسية الخمسة وخارطة الطريق الداخلية للمرحلة المقبلة
وفي الشأن الداخلي، حملت كلمة الرئيس السيسي توجيهات وتكليفات صريحة ومحددة لحكومة الدكتور مصطفى مدبولي، تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتطوير البنية السياسية والاقتصادية والخدمية للدولة.
وجاءت هذه التكليفات في خمسة محاور رئيسية واضحة ومباشرة؛ حيث تعلق المحور الأول بفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي البناء الذي يتسع للرأي والرأي الآخر لبناء الوعي الحقيقي والموضوعي، وتوجيه وزير الدولة للإعلام بالتنسيق مع الهيئات المعنية لعقد اجتماع سنوي تحت رعاية رئيس الجمهورية، تحدد تاريخه المبدئي في الثالث من ديسمبر من كل عام، لمراجعة أوضاع الإعلام ومناقشة تحدياته وفرصه ووضع توصيات عملية لتطويره المنظومي المستمر.
والمحور الثاني تضمن التركيز على تنشيط الحياة الحزبية والسياسية في مصر، والعمل على تأهيل الكوادر الشبابية والسياسية، والانتهاء السريع من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية، بما يضمن ترسيخ المشاركة الشعبية الفاعلة وتطوير منظومة الإدارة المحلية، فيما اختص المحور الثالث بالجانب المعيشي العاجل للمواطنين؛ حيث كلف الرئيس السيسي جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بالتنسيق الكامل مع وزارتي الزراعة والتموين لإعداد برنامج وطني شامل يهدف إلى خفض الأعباء المعيشية عن كاهل الأسر، من خلال التوسع الكبير في إقامة المنافذ والأسواق الدائمة وضبط مسارات سلاسل الإمداد، بما يضمن استقرار أسعار السلع الأساسية في الأسواق.
وجاء المحور الرابع ليعلن عن صياغة برنامج اقتصادي وطني شامل ينطلق فور انتهاء البرنامج الحالي للإصلاح الاقتصادي المرتبط بصندوق النقد الدولي، على أن يكون هذا البرنامج مصريا خالصا بنسبة 100 % ، يستهدف الانتقال بالاقتصاد القومي من مرحلة التثبيت المالي والاستقرار، إلى مرحلة الانطلاق والنمو المستدام، مما ينعكس إيجابيا وبشكل مباشر على مستويات معيشة المواطنين وتعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات الخارجية، بينما ركز المحور الخامس على الإصلاح الهيكلي والترسيخ المؤسسي، عبر الإسراع في تنفيذ المراحل التالية لبرنامج تخارج مؤسسات الدولة من الأنشطة الاقتصادية لصالح القطاع الخاص، مع الالتزام الصارم بمبادئ الشفافية التامة، وتكافؤ الفرص، والمنافسة العادلة؛ لتمكين القطاع الخاص من قيادة قاطرة الاستثمار والنمو.
وتوازى مع ذلك تكليف حاسم لكافة أجهزة الدولة بمواجهة الفساد بكل صوره، وتعزيز الحوكمة، والتوسع في التحول الرقمي لحماية المال العام، إلى جانب مواصلة تطوير التعليم وربطه بمتطلبات سوق العمل، وإعادة هيكلة جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة لدعم النشاطات الإنتاجية وتسهيل إجراءات الشباب وتراخيصهم.
رؤية مستقبلية نحو التكاتف والشفافية وصياغة الغد
ويتجلى من خلال القراءة التحليلية لخطاب الرئيس السيسي الشامل، حجم المصارحة والمكاشفة الكبيرة التي اعتمدها الرئيس مع أبناء الشعب المصري، مؤكدا علمه اليقين بحجم الأعباء التي يتحملها المواطن، ومشددا على أن تحسين المعيشة وتخفيف المعاناة، هو الشاغل الأول والهدف الأسمى لكل قرار تتخذه الدولة.
وأكد الرئيس السيسي أن العبور نحو المستقبل الواعد، يتطلب استمرار العمل الجاد، والتكاتف، والوعي، وفتح قنوات الاتصال المباشر والصادق بين المسؤولين والمواطنين، بناء على معلومات حقيقية وبيانات مدققة؛ فالجمهورية الجديدة لا تبنى بالشعارات، بل بالصروح الاستراتيجية المؤمنة، وبالخطط الاقتصادية والسياسية المدروسة، التي تضع كرامة الوطن والمواطن ومكانة مصر التاريخية فوق كل اعتبار.