أعلنت الحكومة الفرنسية، إرسال 500 عسكري إضافي إلى إقليم جيروند جنوب غرب البلاد، للمساعدة في مواجهة حرائق غابات واسعة النطاق تهدد مناطق مأهولة وسياحية، في وقت تصاعدت فيه عمليات الإجلاء وتكثفت جهود أجهزة الإطفاء والإنقاذ لمواجهة ألسنة اللهب التي أججتها موجات الحر والرياح.
وجاء قرار التعزيز العسكري بعد اجتماع خلية أزمة وزارية عقدته الحكومة الفرنسية مساء الجمعة، على خلفية تحول مسار أحد الحرائق الكبرى في جيروند باتجاه منطقة بوردو، الأمر الذي دفع السلطات إلى رفع مستوى الاستنفار وتوسيع نطاق عمليات الإخلاء.
وبحسب تقرير لصحيفة لوموند، أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو وصول 500 عسكري إضافي إلى جيروند اعتبارًا من السبت، ليرتفع إجمالي عدد العسكريين الموجودين في المنطقة لتقديم الدعم إلى فرق الإطفاء إلى أكثر من ألف عسكري.
ويأتي هؤلاء ضمن منظومة دعم للقوات المدنية، وليس باعتبارهم قوة إطفاء مستقلة، إذ يشاركون في مهام الإسناد والمراقبة والدعم اللوجستي، إلى جانب مهام ميدانية بحسب طبيعة العمليات.
ويأتي هذا التعزيز في وقت وصفت فيه السلطات الفرنسية الوضع بأنه استثنائي، مع استمرار انتشار الحرائق في مناطق من جنوب وغرب البلاد.
وأفادت تقارير حديثة بإجلاء نحو 197 ألف شخص في فرنسا جراء الحرائق، بينما أتت النيران على مساحات واسعة من الغابات، وسط ظروف جوية صعبة تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الغطاء النباتي وتبدل اتجاهات الرياح، وهي عوامل تزيد من سرعة انتشار النيران وتعقّد مهمة فرق الإطفاء.
وتتركز الأنظار بشكل خاص على منطقة جيروند ومحيط بوردو، حيث دفعت سرعة انتشار النيران السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة لحماية السكان والزوار، فيما واصلت فرق الطوارئ العمل على تطويق البؤر المشتعلة ومنع وصولها إلى مناطق سكنية جديدة.
ولا تمثل مشاركة القوات المسلحة الفرنسية في مكافحة حرائق الغابات إجراءً طارئًا جديدًا بالكامل؛ فوزارة القوات المسلحة الفرنسية توضح أن الجيش يقدم، منذ أكثر من أربعة عقود، قدرات إضافية لدعم أجهزة الأمن المدني والإطفاء، في إطار ترتيبات تشمل عمليات عسكرية مخصصة لمساندة جهود مكافحة الحرائق.
وتشمل هذه المساندة توفير وحدات عسكرية ووسائل نقل ودعم لوجستي ومعدات هندسية، فضلًا عن إمكانات جوية وقواعد عسكرية تستخدم كنقاط إسناد للطائرات المشاركة في عمليات مكافحة الحرائق.
وفي إحدى عمليات الدعم الأخيرة، قامت وحدات عسكرية بتوفير عشرات الخيام ونحو 150 سريرًا ومعدات إطفاء لصالح وحدات عسكرية مساندة تعمل بالتنسيق مع أجهزة الإطفاء المحلية في إقليم دروم، في مؤشر على اتساع الدور اللوجستي للجيش في إدارة تداعيات موسم الحرائق.
تعزيزات جوية وتقنيات جديدة
وبالتوازي مع نشر القوات على الأرض، وسعت فرنسا خياراتها الجوية لمواجهة الحرائق، أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية في وقت سابق من يوليو عن استخدام طائرة النقل العسكرية A400M Atlas في تجربة جديدة لمكافحة حرائق الغابات، بعد تزويدها بمعدات تسمح لها بإسقاط ما يصل إلى 20 طنًا من المواد المثبطة للحرائق في طلعة واحدة، بما يعادل تقريبًا حمولة طائرتين من طراز «داش» وفق الوزارة.
وتستهدف هذه القدرة الجديدة دعم عمليات إنشاء خطوط عازلة ومواجهة النيران في مراحل مبكرة، بما يوفر أداة إضافية إلى جانب أسطول الطائرات المتخصصة في مكافحة الحرائق.
أزمة تتجاوز حدود فرنسا
وتأتي التطورات الفرنسية في سياق موجة حرائق واسعة تضرب أجزاء من جنوب أوروبا، حيث واجهت إسبانيا أيضًا حرائق كبيرة وعمليات إجلاء واسعة، فيما اضطرت دول أوروبية إلى تعزيز التعاون وتبادل الطائرات والمعدات والموارد لمواجهة اتساع رقعة النيران.
وتشير التقارير إلى أن الظروف المناخية القاسية، بما فيها موجات الحر المتكررة والجفاف والرياح، ساهمت في زيادة خطورة الحرائق وتسريع انتشارها، بينما يرى خبراء أن تغير المناخ يفاقم الظروف التي تساعد على اندلاع حرائق أكثر شدة واتساعًا في أوروبا.
ويعكس قرار إرسال 500 عسكري إضافي إلى جيروند حجم الضغط الذي تواجهه السلطات الفرنسية في واحدة من أصعب مراحل موسم الحرائق الحالي. فالمهمة لا تقتصر على إخماد النيران، بل تشمل حماية السكان، وتنظيم عمليات الإجلاء، وتأمين المناطق المهددة، ودعم فرق الإطفاء، والحفاظ على خطوط الإمداد والاتصالات.
ومع استمرار الظروف المناخية الصعبة، تبدو فرنسا أمام اختبار مزدوج: احتواء الحرائق المتسارعة من جهة، وحماية المدن والمناطق السياحية والغابات من جهة أخرى.
ويعد إرسال 500 عسكري إضافي إلى جيروند ليس مجرد تعزيز عددي للقوات المنتشرة، بل جزء من استنفار فرنسي واسع يجمع بين الجيش وأجهزة الأمن المدني وفرق الإطفاء والقدرات الجوية، في محاولة لاحتواء حرائق وصفتها السلطات بأنها بلغت مستوى غير مسبوق، بينما تواصل فرق الطوارئ معركة مفتوحة لحماية الأرواح والممتلكات والبيئة.

