خلال السنوات الأخيرة، أصبحت صفحات الأحياء والمناطق على مواقع التواصل الاجتماعي مصدرًا سريعًا لنقل شكاوى المواطنين، وساهم بعضها بالفعل في تسليط الضوء على مشكلات خدمية دفعت الأجهزة التنفيذية إلى التحرك لحلها.
ولكن مع انتشار هذه الصفحات، ظهر وجه آخر لبعضها، بعدما تحولت من منصات خدمية إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية، أو ممارسة ضغوط على المسؤولين، أو الترويج لإنجازات مقابل المال.
وأصبحت هذه الظاهرة تثير حالة من الجدل، خاصة مع صعوبة التفرقة بين الصفحات التي تنقل هموم المواطنين بصدق، وأخرى تستغل الشكاوى لتحقيق مصالح خاصة أو تصفية حسابات.
_825_032125.jpg)
الشكوى أصبحت وسيلة للضغط
في كثير من الحالات، لم يعد الهدف من نشر الشكاوى هو الوصول إلى حل للمشكلة، بل تحولت بعض الصفحات إلى وسيلة للضغط على رؤساء الأحياء والمسؤولين التنفيذيين.
ففي الوقت الذي تتعرض فيه بعض القيادات المحلية لهجوم مستمر بسبب رفضها الاستجابة لمطالب شخصية أو التغاضي عن مخالفات، تتحول الصفحات نفسها إلى منصات للإشادة والثناء إذا تغيرت المصالح، وهو ما خلق حالة من الارتباك لدى المواطنين في التمييز بين النقد الحقيقي والحملات التي تخدم أهدافًا خاصة.
تلميع مقابل المال
ومن الوقائع التي أثارت الجدل مؤخرًا، ما تردد بشأن تعاون أحد رؤساء الأحياء السابقين، الذي صدر قرار بإقالته، مع عدد من الصفحات المحلية، لنشر تغطيات يومية لتحركات ميدانية روتينية، مثل رفع القمامة أو إزالة الإشغالات، وتقديمها باعتبارها إنجازات استثنائية.
وتحولت هذه المنشورات، بحسب ما أثير حول الواقعة، إلى وسيلة للدعاية الشخصية، مقابل حصول القائمين على الصفحات على مقابل مادي أو منافع أخرى، بعيدًا عن الهدف الأساسي المتمثل في خدمة المواطنين أو نقل الواقع كما هو.
التشكيك في مشروعات التطوير
ولم يتوقف الأمر عند متابعة الخدمات اليومية، بل امتد في بعض الأحيان إلى تناول مشروعات التطوير التي تشهدها العاصمة، حيث تعتمد بعض الصفحات على إبراز السلبيات فقط أو نشر معلومات غير مكتملة، بما يخلق انطباعات سلبية لدى المواطنين حول المشروعات الجارية.
وفي المقابل، توجد صفحات أخرى تقدم تغطية متوازنة، تنقل المشكلات كما ترصد ما يتم إنجازه على أرض الواقع، وهو ما يجعل التمييز بين المحتوى المهني والمحتوى الموجه أكثر أهمية.
محافظ القاهرة: نستقبل كل الشكاوى
وأكد الدكتور إبراهيم صابر، محافظ القاهرة، أن المحافظة ترحب بجميع شكاوى المواطنين ولا تضيق بالنقد البناء، مشددًا على أن الأجهزة التنفيذية تتعامل مع البلاغات الجادة بصورة فورية، وتعمل على فحصها واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.
وأضاف أنه يتابع بنفسه ما يُنشر في الصحف والمواقع الإخبارية، ويتواصل مع الصحفيين للوقوف على المشكلات الحقيقية التي تواجه المواطنين، مشيرًا إلى أن الهدف هو تحسين مستوى الخدمات والاستجابة السريعة لما يطرح على الساحة.
وأشار محافظ القاهرة إلى أن بعض صفحات التواصل الاجتماعي تتعمد مهاجمة مشروعات التطوير أو استغلال معاناة المواطنين لتحقيق مصالح خاصة، داعيًا إلى عدم الانسياق وراء الصفحات المشبوهة، والاعتماد على المصادر الموثوقة عند تداول المعلومات.
بين حرية التعبير والمسؤولية
لا خلاف على أن مواقع التواصل أصبحت وسيلة مهمة لنقل شكاوى المواطنين، كما أنها ساهمت في كشف العديد من المشكلات التي تحركت الجهات المختصة لمعالجتها.
لكن في الوقت نفسه، فإن استغلال هذه المنصات لتحقيق مكاسب شخصية أو ممارسة الضغوط أو نشر معلومات غير دقيقة يضر بالمواطن قبل أي طرف آخر، لأنه يفقد الشكوى الحقيقية قيمتها، ويحولها إلى أداة لتحقيق مصالح لا علاقة لها بالخدمة العامة.
والفيصل في النهاية هو المصداقية، ونقل الوقائع كما هي، وإتاحة الفرصة لجميع الأطراف لعرض وجهة نظرها، حتى تظل مواقع التواصل وسيلة لخدمة المواطن، لا وسيلة للابتزاز أو التربح.
ومن جانبه، قال الدكتور محمد فتحي، خبير الإعلام الرقمي، إن صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تمتلك تأثيرًا كبيرًا في تشكيل الرأي العام، وهو ما يجعلها سلاحًا ذا حدين؛ فقد تؤدي دورًا مهمًا في نقل شكاوى المواطنين وتسليط الضوء على المشكلات الحقيقية، لكنها قد تتحول في المقابل إلى وسيلة للابتزاز أو تصفية الحسابات إذا غابت المهنية والشفافية.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن بعض القائمين على هذه الصفحات يعتمدون على زيادة معدلات التفاعل بأي وسيلة، سواء عبر المبالغة في عرض الوقائع أو نشر معلومات غير مكتملة أو استغلال معاناة المواطنين لتحقيق مكاسب مادية، وهو ما يضر بالمحتوى الرقمي ويؤثر في ثقة الجمهور.
وأشار إلى أن المواطن أصبح مطالبًا بالتحقق من مصدر المعلومات قبل إعادة نشرها أو التفاعل معها، خاصة مع انتشار الصفحات غير الرسمية التي تنتحل صفة تمثيل الأحياء أو المؤسسات دون أي صفة قانونية، مؤكدًا أن الصفحات المهنية تلتزم بعرض جميع وجهات النظر، بينما تعتمد الصفحات المشبوهة على الإثارة أو الهجوم لتحقيق الانتشار.





