في ظل تصاعد الأزمات الإقليمية وتشابك ملفات الصراع من غزة إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، تبرز مصر كأحد أبرز الفاعلين الدبلوماسيين في المنطقة، مستندة إلى شبكة واسعة من العلاقات السياسية وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف المتنازعة.

وتتسع دائرة الوسطاء الساعين لاحتواء التوترات، تؤكد التحركات المصرية أن القاهرة لم تعد تكتفي بدور الوسيط التقليدي، بل أصبحت طرفا رئيسيا في إدارة مسارات التهدئة وصياغة فرص الحلول السياسية، بما يعزز مكانتها كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي.
وفي هذا الصدد، قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام عضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي أن القاهرة تؤدي اليوم دورا دبلوماسيا استثنائيا يتجاوز حدود الوساطة التقليدية ليرتقي إلى مستوى إدارة الأزمة الإقليمية الأكثر تعقيدا منذ عقود.

وأضاف مهران- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أجرى في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من يوليو الجاري اتصالات متوازية مع إيران وعمان لبحث خفض التصعيد وتأمين التجارة العالمية والملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز في الوقت الذي تجري فيه مصر محادثات مع الاحتلال الإسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة وتواصل جهودها لإحياء المرحلة الثانية من خطة السلام.
وأشار مهران، إلي أن السمة الجوهرية للدور المصري الراهن هي التعددية الفريدة في قنوات الاتصال، ولفت إلى أن القاهرة تتحدث في آنٍ واحد مع واشنطن وطهران وتل أبيب ودول الخليج ومسقط وهو امتياز لا تملكه إلا دول قليلة جدا في العالم، موضحا أن تقارير الصحافة والإعلام أكدت أن الوسطاء وفي مقدمتهم مصر وقطر وباكستان هم من يخمدون نيران الحرب بينما إسرائيل تبقيها مشتعلة وهو وصف يكشف أن العبء الدبلوماسي الأثقل يقع على كاهل هؤلاء الوسطاء لا على أطراف النزاع.

وأكد أن ما يميز الموقف المصري عن غيره رفضه الصريح للظلم مع الحفاظ على الانفتاح التفاوضي، معقبا: "وزير الخارجية المصري شدد في اتصالاته على أن القضية الفلسطينية هي لب الصراع في المنطقة وأن إعادة تركيز الانتباه على أوضاع غزة والضفة الغربية ضرورة لا تحتمل التأجيل، وأن مصر أكدت أن أي استقرار إقليمي حقيقي يظل مستحيلا ما لم يعالج الجرح الفلسطيني معالجة جذرية".

ولفت مهران إلى أن الدور المصري يستند قانونيا للمادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكرس الوساطة الإقليمية مسلكا أوليا لحل النزاعات وأن مصر بتاريخها كأول دولة عربية أبرمت معاهدة سلام تملك مصداقية تفاوضية مشتركة تجعلها محل قبول لأطراف متخاصمة تستحيل جلوسها معا دون وسيط موثوق.
واختتم تصريحاته: "تحالف الوسطاء يتمدد وفق تحليلات الجزيرة ليشمل دولا إضافية تنضم لهذا المسار لكن مصر تبقى العمود الفقري الذي لا يمكن الاستغناء عنه لأنها الجسر الوحيد الذي يصل غزة بالعالم العربي ويربط ملف الحرب الإيرانية بملف السلام الفلسطيني في معادلة لا يفهم خيوطها إلا القاهرة".
والجدير بالذكر، أن في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط، يرى خبراء أن نجاح أي مسار تفاوضي سيظل مرتبطا بوجود وسطاء يمتلكون المصداقية وقنوات الاتصال الفاعلة مع جميع الأطراف، وهو ما يمنح مصر ثقلا استثنائيا في معادلة التوازنات الإقليمية.
ومع استمرار جهودها لخفض التصعيد والدفع نحو تسويات سياسية، تبدو القاهرة مرشحة للحفاظ على دورها المحوري في رسم ملامح المرحلة المقبلة، باعتبارها أحد أهم الأعمدة التي تستند إليها جهود السلام والاستقرار في المنطقة.



