تشهد مناطق واسعة من قطاع غزة موجة نزوح جديدة، بعد إقامة الجيش الإسرائيلي حواجز وسواتر ترابية جديدة داخل القطاع، وتحريك الكتل الخرسانية التي تحدد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو خط التمركز الذي جرى الاتفاق عليه ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار. وبينما تؤكد إسرائيل أن هذه الإجراءات تأتي ضمن ترتيبات أمنية، تتهم حركة حماس إسرائيل بانتهاك اتفاق وقف إطلاق النار وتوسيع نطاق سيطرتها داخل القطاع.
ورصد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" تطورات ميدانية شهدتها مناطق عدة في قطاع غزة، استنادًا إلى صور أقمار صناعية وشهادات سكان، تشير إلى توسع الأعمال العسكرية والإنشائية الإسرائيلية داخل القطاع، وما ترتب عليها من نزوح جديد للعائلات وتقلص المساحات المتاحة أمام السكان.

نزوح جديد بعد تحريك الحواجز
شهد حي التفاح شمال مدينة غزة موجة نزوح جديدة، بعدما نُقلت الكتل الخرسانية الصفراء التي تحدد مناطق السيطرة الإسرائيلية إلى مواقع جديدة بوسط شارع صلاح الدين، أحد أهم الطرق التي تربط شمال القطاع بجنوبه.
وظهرت سواتر ترابية جديدة في محيط المنطقة، ما دفع عددًا من العائلات إلى مغادرة أماكن إقامتها والبحث عن مأوى آخر، خاصة بعد تعرض مناطق قريبة لغارات وصدور أوامر بالإخلاء.
ما هو "الخط الأصفر"؟
الخط الأصفر هو خط ترسيم جرى الاتفاق عليه ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار الذي أُبرم بوساطة أمريكية في أكتوبر الماضي.
كان الاتفاق ينص على بقاء القوات الإسرائيلية مؤقتًا في المنطقة الواقعة خلف هذا الخط، والتي تمثل نحو 53% من مساحة قطاع غزة، إلا أن إسرائيل أعلنت لاحقًا أنها تسيطر على مساحة تتجاوز 60% من القطاع، مع استمرار توسيع نطاق انتشارها.
اتهامات متبادلة
تتهم حركة حماس إسرائيل بتحريك الخط الأصفر غربًا، معتبرة أن ذلك يمثل خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار.
في المقابل، تنفي إسرائيل إجراء أي تغيير في الخط، وتؤكد أن أعمال إنشاء الحواجز وتحديد المواقع تأتي ضمن إجراءات أمنية تهدف إلى حماية قواتها ومنع أي تهديدات.
حواجز تمتد لعشرات الكيلومترات
وأنشأت إسرائيل شبكة من الحواجز والسواتر الترابية منذ بدء وقف إطلاق النار، تمتد حاليًا لأكثر من 42 كيلومترًا، وتغطي نحو 85% من مسار الخط الأصفر، بينما يصل أطول جزء متصل منها إلى نحو 13.8 كيلومتر.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية أن بعض السواتر أُقيمت على مسافات أبعد من مواقع الخط الأصفر الأصلية، وهو ما أدى إلى اتساع المناطق التي لم يعد السكان قادرين على الوصول إليها.
نزوح متكرر في عدة مناطق
ولم يقتصر النزوح على حي التفاح، إذ شهدت مناطق الزيتون ودير البلح وخان يونس والمواصي موجات إخلاء متكررة خلال الأسابيع الأخيرة.
وأفادت تقارير بأن عشرات العائلات غادرت منازلها أو خيامها عقب أوامر بالإخلاء، في ظل استمرار القصف وتحركات الآليات العسكرية وأعمال التجريف في محيط تلك المناطق.
الأمم المتحدة: عشرات الأسر فقدت خيامها
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقدت نحو 30 عائلة خيامها في حي الزيتون، واضطرت إلى تلقي مساعدات لتوفير الاحتياجات الأساسية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية اختفاء عشرات الملاجئ المؤقتة خلال شهر يوليو، بالتزامن مع توسع العمليات العسكرية وأعمال إزالة وتجريف الأراضي.
أعمال تجريف وهدم
ورصدت صور الأقمار الصناعية عمليات واسعة لتجريف الأراضي الزراعية، وإزالة طرق ومنشآت ومبانٍ في عدة مناطق داخل القطاع، لإفساح المجال أمام إقامة السواتر الترابية والحواجز الجديدة.
وأظهرت الصور إزالة مساحات زراعية وبساتين زيتون في بعض المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر، إلى جانب استمرار عمليات الهدم في عدد من المناطق منذ بدء وقف إطلاق النار.
قواعد ومواقع عسكرية جديدة
ويشير التقرير إلى إنشاء مواقع عسكرية جديدة داخل قطاع غزة منذ بدء وقف إطلاق النار، إلى جانب توسيع مواقع أخرى كانت قائمة بالفعل، مع إقامة مناطق تجهيز وسواتر ترابية على امتداد الخط الأصفر.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية استمرار أعمال البناء والتجهيز في عدد من المواقع، بالتزامن مع عمليات الهدم وتجريف الأراضي المحيطة بها.
مساحة تتقلص ومعاناة تتزايد
من جانبه، قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن التحركات الإسرائيلية على الأرض، سواء من خلال إنشاء حواجز وسواتر ترابية أو توسيع مناطق الانتشار، تعكس سعيًا لفرض واقع ميداني جديد داخل قطاع غزة، بما يمنح إسرائيل مساحة سيطرة أكبر ويصعب العودة إلى خطوط التمركز السابقة.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن هذه الإجراءات لا تقتصر على الجانب العسكري، وإنما تنعكس بصورة مباشرة على الأوضاع الإنسانية، إذ تؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة أمام السكان، وتدفع المزيد من العائلات إلى النزوح المتكرر، في ظل تكدس النازحين داخل مناطق محدودة تعاني نقصًا في الخدمات الأساسية.
وأشار إلى أن استمرار هذه التحركات قد يزيد من تعقيد أي مفاوضات مستقبلية بشأن ترتيبات وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، خاصة إذا تحولت مناطق الانتشار الحالية إلى واقع ميداني دائم يصعب تغييره لاحقًا.
ومع استمرار إنشاء الحواجز وتحريك مواقع السيطرة، تتقلص المساحات المتاحة أمام السكان في قطاع غزة، ما يدفع مزيدًا من العائلات إلى النزوح المتكرر والانتقال من منطقة إلى أخرى.
وتشير التطورات الميدانية إلى استمرار الضغوط الإنسانية داخل القطاع، في ظل تكدس النازحين داخل مناطق محدودة، واستمرار عمليات الإخلاء، وتراجع المساحات المتاحة لإقامة الخيام أو الوصول إلى الأراضي الزراعية والخدمات الأساسية.




