قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

ارتفاع الاحتياطيات وتحويلات المصريين تمهد لخفض الفائدة ودعم الاستثمار

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

دخل الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة مرحلة من التحولات المهمة، فرضتها تحديات داخلية وخارجية متشابكة، كان أبرزها أزمة سوق الصرف وارتفاع معدلات التضخم والضغوط على الموارد الدولارية. ومع هذه التطورات، اتجهت السياسة النقدية إلى تبني أدوات أكثر مرونة في التعامل مع سوق النقد الأجنبي، بالتزامن مع العمل على تعزيز الاحتياطيات الدولية وتحسين تدفقات العملة الصعبة.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور هاني الشامي، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة المستقبل، أن ما شهدته السياسة النقدية المصرية منذ مارس 2024 لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تحريك لسعر صرف الجنيه، وإنما يمثل جزءًا من إعادة صياغة أوسع لطريقة إدارة الاقتصاد النقدي والتعامل مع الصدمات الخارجية.
 

مرونة سعر الصرف.. تحول في إدارة الاقتصاد

يوضح الشامي أن التحول نحو مرونة أكبر في سعر الصرف يمثل واحدًا من أبرز ملامح السياسة الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة، بعدما أصبح سعر العملة أكثر ارتباطًا بتطورات العرض والطلب على النقد الأجنبي.

وبحسب رؤيته، فإن هذا النهج يمنح السوق قدرة أكبر على التكيف مع المتغيرات بدلًا من الاعتماد بصورة مستمرة على سعر صرف ثابت يصعب الدفاع عنه في ظل الضغوط الخارجية. ومع توافر موارد دولارية كافية، يمكن أن تساعد مرونة سعر الصرف في تقليل الاختلالات داخل سوق النقد الأجنبي والحد من الفجوات بين القنوات الرسمية وغير الرسمية.

ولا تقتصر أهمية هذه المرونة على سعر العملة فقط، بل تمتد إلى قدرة الاقتصاد على التعامل مع الأزمات المفاجئة، سواء كانت مرتبطة بالتجارة العالمية أو أسعار الطاقة أو التطورات الجيوسياسية.

الاحتياطيات وتحويلات المصريين بالخارج.. نقاط قوة مهمة

ويشير أستاذ الاقتصاد إلى أن ارتفاع الاحتياطيات الدولية يمثل عنصرًا إيجابيًا مهمًا في الصورة الاقتصادية الحالية، خاصة مع وصولها إلى مستويات مرتفعة مقارنة بالسنوات الماضية.

فالاحتياطي النقدي لا يمثل مجرد رقم في البيانات الاقتصادية، وإنما يوفر هامش أمان تستطيع الدولة من خلاله التعامل مع الالتزامات الخارجية وامتصاص جزء من الصدمات التي قد تواجه سوق النقد الأجنبي.

وفي الوقت نفسه، تمثل الزيادة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، خاصة عندما تمر هذه التدفقات عبر الجهاز المصرفي والقنوات الرسمية. وكلما زادت هذه التدفقات، ارتفعت قدرة البنوك على توفير الدولار لاحتياجات الشركات والمستوردين والأفراد.

ومن هنا، يرى الشامي أن قوة الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بحجم الاحتياطيات، وإنما أيضًا بقدرته على الحفاظ على تدفقات دولارية منتظمة ومستدامة.

التضخم وأسعار الفائدة.. مساحة أكبر أمام البنك المركزي

على صعيد السياسة النقدية، يرى الشامي أن انخفاض معدلات التضخم، بالتزامن مع تحسن السيولة الدولارية، يتيح للبنك المركزي مساحة أكبر لإدارة أسعار الفائدة بصورة أكثر توازنًا.

فخلال فترات التضخم المرتفع، يصبح رفع أسعار الفائدة أداة ضرورية للحد من الضغوط السعرية ودعم استقرار العملة. لكن مع تراجع التضخم، يمكن أن تتحول الأولوية تدريجيًا نحو دعم النشاط الاقتصادي والاستثمار، بشرط عدم التسرع في خفض الفائدة بما قد يعيد الضغوط التضخمية من جديد.

ويؤكد الشامي أن خفض أسعار الفائدة بصورة تدريجية ومدروسة يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على القطاع الخاص، من خلال تقليل تكلفة التمويل وتشجيع الشركات على التوسع وتنفيذ استثمارات جديدة.

لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بعدة عوامل، في مقدمتها استمرار انخفاض التضخم والحفاظ على قدر مناسب من الاستقرار في سوق الصرف.

من إدارة الأزمة إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا

ويرى الشامي أن الاقتصاد المصري يدخل خلال الفترة المقبلة مرحلة مختلفة نسبيًا عن السنوات الأولى من الأزمة، إذ لم يعد التحدي الأساسي مقتصرًا على توفير الدولار، وإنما أصبح يتمثل بصورة أكبر في كيفية إنتاج موارد دولارية مستدامة.

وهنا تبرز أهمية زيادة الصادرات المصرية، وتنشيط القطاع السياحي، وتعظيم تحويلات المصريين بالخارج، إلى جانب جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

فالتدفقات الاستثنائية يمكن أن تمنح الاقتصاد مساحة للحركة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار على المدى الطويل. أما الموارد الناتجة عن الإنتاج والتصدير والاستثمار والسياحة، فهي الأكثر قدرة على توفير قاعدة مستدامة من النقد الأجنبي.

وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية لن يكون فقط في الحفاظ على الاحتياطيات عند مستويات مرتفعة، وإنما في تحويل التحسن النقدي إلى نمو حقيقي في القطاعات الإنتاجية.

القطاع المصرفي.. خطوة جديدة نحو الشمول المالي والتحول الرقمي

ولا ينفصل تطوير السياسة النقدية عن تطور القطاع المصرفي، الذي شهد بدوره توسعًا في استخدام المدفوعات الرقمية وزيادة قاعدة المتعاملين مع الخدمات المالية الرسمية.

ويرى الشامي أن ارتفاع مستويات الشمول المالي يمثل تطورًا مهمًا، لأنه يعني دخول عدد أكبر من المواطنين والأنشطة الاقتصادية إلى المنظومة المالية الرسمية.

ويؤدي ذلك إلى تحسين حركة الأموال، وزيادة كفاءة التعاملات المالية، ورفع قدرة المؤسسات الرسمية على متابعة النشاط الاقتصادي بصورة أكثر دقة.

كما أن تطبيق المعايير الدولية الحديثة في التحويلات والمدفوعات يعزز من كفاءة البنية المصرفية المصرية، ويدعم قدرة القطاع المصرفي على الارتباط بصورة أكثر فاعلية بالنظام المالي العالمي.

التحديات الخارجية لا تزال قائمة

ورغم التحسن في عدد من المؤشرات، يؤكد الشامي أن الاقتصاد المصري لا يزال معرضًا لمجموعة من المخاطر الخارجية، خاصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

وتظل أسعار الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وأسعار الفائدة العالمية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية، عوامل يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تدفقات النقد الأجنبي وتكلفة التمويل وحركة الاستثمار.

لذلك، فإن بناء قدرة أكبر على مواجهة الصدمات يتطلب عدم الاعتماد على عامل واحد، وإنما تنويع مصادر الدخل الأجنبي وتعزيز الإنتاج المحلي وزيادة قدرة الاقتصاد على التصدير.

ماذا ينتظر الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة؟

بحسب رؤية الشامي، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولًا تدريجيًا في أولويات السياسة الاقتصادية، من التعامل مع الاختلالات النقدية والضغوط على سوق الصرف إلى التركيز بصورة أكبر على النمو والاستثمار والإنتاج.

ويأتي القطاع الخاص في قلب هذه المرحلة، باعتباره أحد المحركات الرئيسية لزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل وتعزيز القدرة التصديرية.

كما أن تحسين بيئة الاستثمار وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، إلى جانب دعم الصناعات المحلية وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية، يمكن أن يساعد في بناء مصادر أكثر استدامة للعملة الأجنبية.

المواطن والمستثمر أمام مرحلة مختلفة

بالنسبة للمواطن، فإن تحسن المؤشرات النقدية لا يصبح ذا قيمة حقيقية إلا إذا انعكس تدريجيًا على الأسعار والقوة الشرائية وفرص العمل ومستويات الدخل.

أما المستثمر، فإن استقرار سوق الصرف وانخفاض التضخم وتراجع تكلفة التمويل، إذا استمرت هذه الاتجاهات، يمكن أن توفر بيئة أكثر ملاءمة لاتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأجل.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى استمرار الإصلاحات وعدم الاكتفاء بالتحسن المؤقت في بعض المؤشرات.

 

في الختام، تبدو الصورة الاقتصادية المصرية أكثر تماسكًا مقارنة بالمرحلة التي شهدت ذروة الضغوط على سوق الصرف، مع ارتفاع الاحتياطيات وتحسن تدفقات النقد الأجنبي وتزايد مرونة سعر الصرف وتراجع معدلات التضخم تدريجيًا.