تحل اليوم ذكرى وفاة المطرب والملحن والممثل المصري عبد العزيز محمود، أحد أبرز الأصوات التي ارتبطت بالأغنية الشعبية المصرية في زمن الفن الجميل، والذي ترك وراءه تراثا فنيا ثريا امتد بين الغناء والتلحين والسينما، وما زالت أعماله حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.
ولد عبد العزيز محمود، واسمه الكامل عبد العزيز محمود الخناجري، في محافظة سوهاج بصعيد مصر في 11 يناير 1914، ولم يبدأ طريقه الفني من المسارح أو المعاهد الموسيقية، وإنما خرج من قلب الشارع والمولد والفرح الشعبي، ليصبح لاحقا واحدا من أشهر مطربي وملحني الأغنية الشعبية في مصر.
في بداية حياته ذهب إلى بورسعيد، والتحق بالعمل في شركة شل العالمية للنفط، إلا أن حادثا تسبب في إصابته بقدمه أدى إلى بترها، فاستغنت الشركة عن خدماته. ولم يستسلم عبد العزيز محمود للظروف، بل قام بتركيب طرف صناعي، وبدأ مرحلة جديدة من حياته اتخذت طريقا مختلفا تماما.
اتجه إلى العمل «بمبوطيا» في بورسعيد، وكان يقدم الخدمات للسفن المارة في قناة السويس ويبيع لأطقمها الشاي والبسكويت وبعض السلع الصغيرة. وكان يغني على ظهر المراكب، فلفت صوته انتباه من يستمعون إليه، وأصبح الغناء طريقه الحقيقي إلى الفن.
وجاءت نقطة التحول عندما استمع إليه الموسيقار مدحت عاصم رئيس قسم الموسيقى والغناء بالإذاعة المصرية في ذلك الوقت، فأعجب بموهبته ونصحه بالقدوم إلى القاهرة والتقدم لاختبارات الأصوات. وفي عام 1937 التحق عبد العزيز محمود بالإذاعة المصرية، لتبدأ رحلته مع الجمهور الواسع، وليصل صوته إلى ملايين المستمعين.
راهن عبد العزيز محمود منذ بدايته الإذاعية على الأغنية الشعبية، ونجح في تكوين شخصية فنية مستقلة جعلته واحدا من نجوم الغناء في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. ولم يكن مطربا عاديا، بل كان مطربا وملحنا في الوقت نفسه، إذ اتخذ التلحين لنفسه منذ وقت مبكر، ولحن معظم أعماله، وهو ما منحه أسلوبا خاصا ونبرة موسيقية مميزة استطاعت الانتقال بين الغناء الشعبي والعاطفي والوطني دون افتعال أو تصنع.
وكان عبد العزيز محمود شديد العناية باختيار كلمات أغنياته الشعبية، وتعاون مع عدد من كبار كتاب الأغنية، ومن بينهم مرسي جميل عزيز وفتحي قورة ومحمد علي أحمد. ومن الأعمال التي تكشف قدرته على التعامل مع الفولكلور الشعبي أغنية «أسمر يا جميل»، التي غناها ولحنها، وكتب كلماتها الشاعر مرسي جميل عزيز.
ومن أشهر أغنيات عبد العزيز محمود «منديل الحلو يا منديله»، «يا مزوق يا ورد في عوده»، «يا نجف بنور يا سيد العرسان»، «تاكسي الغرام»، «خد الجميل»، «شباك حبيبي يا خشب الورد»، «مرحب شهر الصوم»، «أعمل معروف يا جميل فيا»، «شوف قلبي الملهوف»، «أسمر وجميل»، «حب العزيز»، و«لمين هواك»، وغيرها من الأغنيات التي صنعت له جماهيرية واسعة.
ولم يقتصر نشاطه على تلحين أغنياته، بل لحن أيضا لعدد من نجوم الغناء، ومن أبرز الأعمال التي قدمها لغيره أغنية «قد كمال الأنس» التي غناها كارم محمود أحمد، وأغنية «ما تهونشي عليا» و«إن فات عليك الهوى» لشادية، وأغنية «من الريح ما تنام» لفايزة أحمد، وأغنية «خلاص يا دنيا» لهدى سلطان، وأغنية «باقي دقيقة» لشفيق جلال.
كما غنى عبد العزيز محمود من ألحان كبار الملحنين، ومن بينهم الموسيقار رياض السنباطي، الذي قدم له لحن أغنية «هوه اليتيم يا زمان».
في خمسينيات القرن العشرين، اتجه عبد العزيز محمود إلى توظيف بعض الآلات الموسيقية الغربية، خاصة آلات النفخ، داخل ألحانه الشعبية، وهو ما أضفى على عدد من أعماله طابعا موسيقيا مميزا، جمع بين روح الأغنية المصرية الشعبية وبعض الأساليب الحديثة التي كانت حاضرة في موسيقى ذلك العصر.
وكانت الأغنية الرمضانية واحدة من أهم محطات عبد العزيز محمود الفنية، وفي مقدمتها «مرحب شهر الصوم مرحب»، التي كتب كلماتها الشاعر الكبير محمد علي أحمد ولحنها وغناها عبد العزيز محمود، وأصبحت مع مرور السنوات من أشهر الأغنيات المرتبطة بقدوم شهر رمضان، شأنها شأن «رمضان جانا» التي غناها محمد عبد المطلب ولحنها محمود الشريف.
وتعود حكاية «مرحب شهر الصوم» إلى الإذاعة المصرية في شارع الشريفين، حيث وافقت لجنة النصوص على كلمات الأغنية في وقت كان الموسيقار محمد حسن الشجاعي يشغل منصب مراقب عام الموسيقى والغناء، وكان من اختصاصه اختيار الملحن والمطرب المناسب للنص. وقع الاختيار على عبد العزيز محمود لتلحين الأغنية وغنائها، ثم عرضت على لجنة الاستماع التي كانت تضم نخبة من كبار الموسيقيين، فأقرتها بالإجماع وفق النظام المتبع في ذلك الوقت.
وكانت الإذاعة المصرية شديدة الحرص على مستوى ما تقدمه للجمهور، فلم يكن الشجاعي يقبل أغنيات لم تحصل على موافقة لجنة النصوص ولجنة الاستماع، كما لم يكن يسمح لمطرب بالغناء عبر الإذاعة إلا إذا كان معتمدا من لجنة الاستماع، ولذلك أصبحت هذه الأعمال جزءا من الكنوز الغنائية التي احتفظت بها مكتبة الإذاعة المصرية.
تميزت «مرحب شهر الصوم» أيضا باستخدام الكورال بصورة أساسية، وهو اختيار موسيقي أسهم في زيادة انتشارها ومنحها مذاقا احتفاليا مميزا. وقد لاقت الأغنية إعجابا كبيرا منذ البروفات والتسجيل وحتى تقديمها في حفلات «أضواء المدينة»، التي كانت حلما لكل مطرب أو مطربة تقدمهم الإذاعة للجمهور.
وكان عبد العزيز محمود يلتقي بصديقه ورفيق مشواره الفني محمد عبد المطلب في حديقة معهد الموسيقى العربية بشارع رمسيس، قبل تحويل المكان إلى مسرح جلال الشرقاوي، لإجراء بروفات أغنياتهما في إحدى الغرف المخصصة بالمعهد، ثم ينتقلان إلى قاعة المسرح الكبرى التي كان يحضرها طلاب المعهد للاستماع إلى إبداعات النجمين الكبيرين.
وفي السينما، شارك عبد العزيز محمود في أكثر من 35 فيلما، ممثلا ومغنيا، وقدم عددا من الأعمال التي أصبحت جزءا من تاريخه الفني، من بينها «منديل الحلو»، «تاكسي الغرام»، «قلبي دليلي»، «عروسة المولد»، «المقدر والمكتوب»، «وهيبة ملكة الغجر»، «ابن عنتر»، «لهاليبو»، «ساعة لقلبك»، و«أسمر وجميل»، إلى جانب أفلام أخرى، وهو ما يؤكد تعدد مواهبه وقدرته على الجمع بين الغناء والتمثيل والتلحين.
ورغم ارتباط اسمه بصورة أساسية بالغناء الشعبي، فإن عبد العزيز محمود قدم مقطوعات موسيقية وأغنيات متنوعة، واستطاع أن يخلق لنفسه مساحة خاصة بين أبناء الطبقة الشعبية وأهالي الحارات المصرية، حتى أصبح صوته من الأصوات التي نقلت روح الشارع المصري وتفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الناس البسطاء.
رحل عبد العزيز محمود عن عالمنا فى 26 أغسطس 1991، بعد رحلة طويلة مع الفن، تاركا رصيدا ضخما من الأغنيات والألحان والأفلام.
وبرحيله فقدت الساحة الفنية واحدا من أهم الأصوات التي ارتبطت باللون الشعبي المصري، لكنه ترك وراءه أعمالا ظلت حاضرة في الذاكرة، وعلى رأسها أغنياته الرمضانية التي تتجدد مع كل عام، إلى جانب مجموعة كبيرة من الأغنيات التي ما زالت تمثل جزءا من تاريخ الأغنية الشعبية المصرية في القرن العشرين.
وتبقى تجربة عبد العزيز محمود جديرة بالدراسة، ليس فقط بسبب عدد الأغنيات والأفلام التي قدمها، وإنما لأن أعماله تمثل مادة ثرية لفهم الثقافة الشعبية المصرية، من حيث الكلمات والألحان والصور الفنية وطريقة الأداء وتوظيف الآلات الموسيقية. فقد استطاع أن يمزج بين روح الفولكلور المصري وبعض المؤثرات الموسيقية الحديثة في عصره، وأن يقدم لونا خاصا حمل بصمته الفنية.