قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عملاق جرينلاند يقترب من نقطة الخطر.. ذوبان صامت يهدد برفع البحار

جرينلاند
جرينلاند

في أقصى الشمال الغربي من جرينلاند، يتحرك خطر لا تلتقطه العين بسهولة هناك، تحت طبقات هائلة من الجليد، تعمل مياه المحيط الدافئة على نحت واحد من أكبر الأنهار الجليدية في المنطقة من أسفل، بينما تتسع الشقوق على سطحه، في مشهد يثير قلق العلماء من اقتراب نهر بيترمان الجليدي من مرحلة أكثر حساسية.

وتكشف دراسة حديثة، نشرت بمجلة "ساينس أدفانسز"، أن الأزمة لا تقتصر على ذوبان الجليد بفعل ارتفاع درجات الحرارة، بل تبدأ من مكان أكثر خطورة: أسفل اللسان الجليدي العائم.

 

عملاق جليدي يحمل تهديدا عالميا

يُعد نهر بيترمان من أكبر الأنهار الجليدية التي تصب مباشرة في البحر بشمال غرينلاند، ويضم حوضه كمية هائلة من الجليد. 

وإذا فقد هذا الجليد بالكامل، فإنه يعادل نحو 0.38 متر من ارتفاع مستوى سطح البحر عالميا.

ويصف الباحث دومينيك فارنر، من هيئة المسح الجيولوجي للدانمارك وغرينلاند والمؤلف الرئيسي للدراسة، بيترمان بأنه ليس مجرد نهر جليدي تقليدي، بل "تيار جليدي" سريع نسبيا يمتلك لسانا عائما، ما يجعله أقرب في بعض خصائصه إلى الرفوف الجليدية الضخمة في القارة القطبية الجنوبية.

 

الذوبان الأخطر يحدث في الظلام

المفارقة أن الجزء الأكبر من الخسارة الجليدية لا يحدث أمام أعين المراقبين، وإنما تحت الماء.

فمياه أطلسية دافئة نسبيا تتسلل إلى مضيق بيترمان على أعماق مئات الأمتار، قبل أن تصل إلى قاعدة اللسان العائم وهناك تبدأ عملية ذوبان بطيئة لكنها شديدة التأثير.

وبحسب الدراسة، يمثل الذوبان من أسفل نحو 75% من فقدان الكتلة الجليدية حديثا، مقابل نحو 20% للذوبان السطحي و5% فقط الناتج عن تكسر الجليد.

ولا يحدث الذوبان بصورة متساوية، إذ تتركز العملية داخل قنوات عميقة أسفل اللسان الجليدي. وفي مناطق قريبة من خط الارتكاز، وصلت معدلات الذوبان خلال السنوات الأخيرة إلى نحو 60 مترا سنويا في المتوسط، بينما تجاوزت 100 متر سنويا في بعض المناطق الهامشية.

 

الصيف الحار يضاعف الأزمة

ولا يعمل المحيط وحده على تقويض بيترمان؛ فارتفاع حرارة الغلاف الجوي يزيد المشكلة تعقيدا.

فمع ارتفاع درجات الحرارة صيفا، يزداد ذوبان سطح الجليد، وتتسرب المياه الناتجة إلى الداخل، ما قد يعزز حركة المياه أسفل اللسان الجليدي ويساعد على جذب المزيد من مياه البحر الدافئة إلى قاعدته.

وهكذا يعمل الهواء والمحيط معا؛ فالأول يذيب الجليد من الأعلى، بينما يواصل الثاني نخره من الأسفل، لتتسارع خسارة الكتلة الجليدية من اتجاهين في الوقت نفسه.

40 كيلومترا اختفت خلال عقدين

خلال العقدين الماضيين، فقد بيترمان نحو 40 كيلومترا من طول لسانه العائم، أي ما يقارب 40% من مساحته، نتيجة أحداث متكررة من تكسر الجليد.

لكن التطور الأكثر إثارة للقلق ظهر في صور الرادار الملتقطة في مارس 2026، والتي أظهرت شقوقا جديدة، من بينها شق يبدو أنه امتد عبر عرض الجليد.

وإذا انفصل الجزء المتشقق، فقد يتراجع طرف اللسان الجليدي إلى أبعد نقطة يشهدها منذ عام 1923، ليصبح على مسافة تقل عن 40 كيلومترا من منطقة الارتكاز.

لماذا يخشى العلماء منطقة الارتكاز؟

قد يبدو الرقم كبيرا، لكنه يحمل أهمية بالغة في حسابات استقرار الجليد.

فاللسان العائم يعمل كأنه دعامة طبيعية، إذ يقاوم اندفاع الجليد القادم من الداخل نحو البحر وتشير نماذج سابقة إلى أن وصول التراجع إلى مسافة تقارب 12 كيلومترا فقط من منطقة الارتكاز قد يؤدي إلى ضعف هذه المقاومة.

وعندها يمكن أن يتسارع تدفق الجليد الداخلي نحو المحيط، ما يعني انتقال كميات أكبر من الجليد إلى البحر، وبالتالي زيادة مساهمة غرينلاند في ارتفاع مستوى سطح البحر.

لا انهيار وشيكا لكن إنذارات متصاعدة

ورغم خطورة المؤشرات، لا تعني النتائج أن نهر بيترمان على وشك الانهيار الكامل بشكل فوري ويؤكد الباحثون أن الصورة لا تزال تحمل قدرا من عدم اليقين.

فبيانات الطقس المباشرة في حوض بيترمان محدودة ومتقطعة، كما أن مراقبة حرارة وملوحة المياه داخل المضيق ليست مستمرة، رغم الدور المحوري للمحيط في عملية الذوبان.

كذلك لا تزال تفاصيل تضاريس قاع البحر والحرارة الجوفية الموجودة أسفل الجليد غير مفهومة بصورة كاملة.

لكن الرسالة الأهم التي تحملها الدراسة واضحة: الخطر لا يأتي فقط من الجليد الذي نراه يتكسر، وإنما من الذوبان الصامت الذي يحدث تحته.

ومع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب، قد تتحول الشقوق المتزايدة والمياه الدافئة المتسللة أسفل الجليد إلى سلسلة من التطورات التي يصعب عكسها، لتصبح غرينلاند مرة أخرى أحد أبرز المؤشرات على مستقبل مستوى البحار حول العالم.