أصبحت الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز "شاهد" أحد أبرز الأسلحة المميزة للحرب الحديثة، لما تتمتع به من كلفة إنتاج منخفضة نسبياً وقدرة على اختراق أنظمة الدفاع الجوي المتطورة.
ووفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، تستخدم روسيا هذه المسيّرات على نطاق واسع ضد أوكرانيا، وقد شهدت تطوراً كبيراً منذ ظهور طراز "شاهد-136" لأول مرة.
وأضافت أن بكين ساعدت طهران في تحويل المسيّرات إلى سلاح عالمي منخفض التكلفة.
وينقل التقرير عن مسؤولين ومحللين أوكرانيين أن الإصدارات الأحدث باتت أسرع وأكثر تعقيداً تقنياً، في ظل دور متزايد للمكونات الصينية الصنع.
ويكمن جوهر هذا التطور في شبكة إمداد عالمية مكّنت إيران وروسيا من الحصول على التكنولوجيا رغم العقوبات الغربية.
من العقوبات إلى التصنيع
بدأت إيران تطوير الطائرات المسيّرة منذ عقود، جزئياً بسبب العقوبات وآثار ثورة 1979 التي أعاقت حصول سلاحها الجوي التقليدي على المعدات الغربية الحديثة. واتجه مهندسوها تدريجياً نحو تصنيع طائرات هجومية أحادية الاتجاه، وهي طائرات بسيطة نسبياً مصممة للوصول إلى الهدف وتفجيره.
واستند تصميم "شاهد" إلى تكنولوجيا مسيّرات غربية سابقة، لكن إنتاجها تطلب مكونات من مختلف دول العالم، وفي البداية كانت الإلكترونيات الغربية ذات أهمية حاسمة، إلا أن الشركات الصينية أصبحت لاحقاً المصدر الرئيسي الذي تعتمد عليه إيران في الحصول على قطع الغيار.
المحرك الصيني وممرات التهريب
ويبرز المحرك كمثال دال على ذلك، فقد حصلت إيران على محركات ذات تصميم ألماني من شركة "ليمباخ" عبر وسطاء، بحسب سجلات دبلوماسية أمريكية. ثم قامت شركة صينية بتوزيع هذه المحركات واستحوذت لاحقاً على الشركة الألمانية المصنعة لها. وعلى الرغم من تطوير إيران محركاً خاصاً بها مستنداً إلى التصميم ذاته، إلا أن المسؤولين الأمريكيين يؤكدون استمرار الموردين الصينيين في تزويدها بالمكونات الأساسية.
ومع مرور الوقت، باتت سلسلة التوريد تعتمد بشكل متزايد على الصين، وكشفت تحقيقات عن وجود إلكترونيات أمريكية وأوروبية داخل مسيّرات "شاهد"، يُزعم تهريبها عبر شركات صينية وهونغ كونغية قبل وصولها إلى إيران أو روسيا. وتدريجياً، جرى استبدال المكونات الغربية ببدائل صينية الصنع.
ويقول باحثون أوكرانيون إن النماذج الأحدث من "شاهد" مزودة بمعدات اتصالات وملاحة أكثر تطوراً، تشمل أجهزة مودم وهوائيات وبطاقات SIM تساعد في تصحيح مسارات الطيران.
نسخة نفاثة تغيّر معادلة الدفاع الجوي
وتمثل أحدث التطورات في ظهور طائرات "شاهد" بمحركات نفاثة قادرة على التحليق بسرعة تقارب 480 كلم في الساعة، أي أسرع بكثير من الإصدارات السابقة.
وتؤكد كييف أن المحركات المستخدمة في بعض هذه الطائرات من إنتاج شركة "تليفلاي" الصينية المتخصصة في المحركات النفاثة الصغيرة ومقرها شنتشن.
وقد غيّر تطور "شاهد" معادلات الدفاع الجوي واقتصادياته، ففي حين يمكن اعتراض الطرازات القديمة بأنظمة أرخص، فإن النماذج الأحدث ذات المحركات النفاثة تتفوق سرعةً على بعض المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية، ما يضطر كييف للاعتماد على الطائرات المقاتلة أو صواريخ أرض-جو باهظة الثمن.
كما تستطيع روسيا إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات بالتزامن مع الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، ما يشكل عبئاً كبيراً على الدفاعات الأوكرانية، وتظل كلفة المسيّرة أقل بكثير من كلفة السلاح المستخدم لتدميرها، ما يضغط باستمرار على مخزون أوكرانيا من الصواريخ الاعتراضية المتطورة.
سلاح يتجاوز حدود إيران
وبذلك، لم يعد "شاهد" سلاحاً إيرانياً فحسب، فقد عدّلته روسيا وأنتجت نسخاً خاصة بها، فيما صدّرت طهران التكنولوجيا إلى دول أخرى، كما طورت كل من الصين والهند نماذج مماثلة.
ويعكس صعود "شاهد" تحولاً أوسع في التكنولوجيا العسكرية، ففي الماضي، كانت برامج التسليح الكبرى حكراً على الدول العظمى ذات القواعد الصناعية الضخمة. أما اليوم، فيمكن لدولة متوسطة القوة أن تجمع بين تصميم عسكري قائم ومكونات تجارية متاحة عبر سلاسل التوريد العالمية.
وتكتسب الصين أهمية خاصة في هذا السياق بفضل قاعدتها الصناعية الضخمة ودورها المحوري في قطاع الإلكترونيات والإنتاج الصناعي. وتؤكد بكين أنها تنظم صادرات السلع ذات الاستخدام المزدوج، وترفض العقوبات الأمريكية أحادية الجانب.
ومع تزايد سرعة وقدرات منظومة "شاهد"، يتسع نطاق تأثيرها إلى ما هو أبعد من أوكرانيا، ما يجبر الجيوش على إعادة النظر في سبل الدفاع ضد أسلحة لا تتجاوز كلفتها جزءاً بسيطاً من كلفة الأنظمة المستخدمة لاعتراضها.