لم يعد تطوير القطاع الزراعي قائمًا فقط على زيادة المساحات المنزرعة واستصلاح أراضٍ جديدة، إذ اتجهت الدولة بالتوازي إلى ما يعرف بالتوسع الرأسي، من خلال رفع إنتاجية الفدان، وتطوير أصناف المحاصيل، وتوفير التقاوي المعتمدة، والتوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة والممارسات الزراعية التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه.
ويأتي محصول القمح في مقدمة المحاصيل التي استفادت من هذه السياسات، بعدما شهد الإنتاج المحلي خلال العام الحالي ارتفاعًا ملحوظًا، بالتزامن مع زيادة المساحات المنزرعة وتحسن إنتاجية الفدان، فضلًا عن تطوير منظومة التوريد الحكومية والتوسع في الأصناف عالية الإنتاجية والمتحملة للظروف المناخية.
وقال علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، إن الدولة ركزت خلال الفترة الماضية على زيادة إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية، بالتوازي مع دعم المزارعين وتوفير مستلزمات الإنتاج والخدمات الفنية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
القمح يتصدر نتائج التوسع الرأسي
وأوضح وزير الزراعة أن هذه السياسات انعكست بصورة مباشرة على إنتاج القمح، الذي تجاوز الإنتاج المحلي منه خلال العام الحالي 10 ملايين طن، بزيادة قدرها 6.5% مقارنة بالعام السابق.
وأشار إلى أن زيادة الإنتاج المحلي ساهمت في تقليص حجم الاحتياجات من الخارج، حيث تراجعت الواردات إلى نحو 12.5 مليون طن، مقابل 13.2 مليون طن خلال العام السابق، بما يعكس تحسن قدرة الإنتاج المحلي على تغطية جانب أكبر من احتياجات السوق.
وتعكس هذه الأرقام، بحسب الوزير، أهمية الجمع بين التوسع في المساحات الزراعية ورفع إنتاجية الفدان، خاصة في المحاصيل التي تمثل عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن الغذائي.
3.76 مليون فدان تزرع بالقمح
وشهدت المساحات المنزرعة بالقمح زيادة كبيرة خلال الموسم الحالي، لتصل إلى نحو 3.76 ملايين فدان، بزيادة قياسية تقدر بنحو 600 ألف فدان مقارنة بالموسم السابق.
ولم تقتصر الزيادة على المساحة المنزرعة، وإنما امتدت إلى منظومة التوريد الحكومية، التي سجلت أعلى معدلاتها التاريخية، واقتربت من تحقيق المستهدف البالغ 5 ملايين طن بنهاية الموسم.
وتعد زيادة كميات التوريد أحد المؤشرات المهمة على توسع الإنتاج المحلي وتحسن قدرة الدولة على جمع المحصول وتخزينه، بما يعزز مخزون القمح ويدعم استقرار منظومة توفيره.
28 إردبًا للفدان في المزارع المتطورة
ولفت فاروق إلى أن إنتاجية الفدان شهدت هي الأخرى تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، حيث تراوح المتوسط العام لإنتاجية الفدان بين 18 و20 إردبًا.
وفي المقابل، ارتفعت الإنتاجية في المزارع التي تعتمد على التكنولوجيات الزراعية الحديثة والتوصيات الفنية والممارسات الجيدة إلى نحو 28 إردبًا للفدان.
ويكشف هذا الفارق أهمية التوسع في تطبيق الأساليب الزراعية الحديثة، ليس فقط بهدف زيادة حجم الإنتاج، ولكن أيضًا لتعظيم العائد من وحدة الأرض والمياه، خصوصًا في ظل محدودية الموارد وارتفاع الاحتياجات الغذائية.
وأكد وزير الزراعة أن هذه النتائج وضعت مصر في مكانة متقدمة عالميًا فيما يتعلق بكفاءة إنتاج القمح، مع استمرار العمل على تحسين الإنتاجية وتوفير أصناف تتناسب مع الظروف البيئية المختلفة.
2500 جنيه سعرًا تحفيزيًا للتوريد
وأشار وزير الزراعة إلى أن ارتفاع إنتاج القمح ارتبط بمجموعة من الإجراءات التي استهدفت تشجيع المزارعين على التوسع في زراعته، وفي مقدمتها إعلان سعر توريد مجزٍ.
وأوضح أن سعر التوريد بلغ 2500 جنيه للأردب، بتوجيهات من الرئيس عبدالفتاح السيسي، بما وفر حافزًا للمزارعين وشجع على زيادة المساحات المخصصة للمحصول.
وتستهدف منظومة التسعير قبل الزراعة توفير قدر أكبر من الوضوح للمزارع بشأن العائد المتوقع، وتقليل مخاطر تقلبات الأسعار التي قد تؤثر على قرارات المزارعين المتعلقة باختيار المحاصيل.
الزراعة التعاقدية
وعلى جانب آخر، عملت الدولة على تفعيل منظومة الزراعة التعاقدية باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن من خلالها دعم المزارعين وربط الإنتاج باحتياجات الأسواق والصناعات.
وأوضح فاروق أن المنظومة تقوم على تحديد سعر ضمان قبل بدء الزراعة، بما يساعد المزارع على اتخاذ قرار الزراعة في ظل رؤية أكثر وضوحًا بشأن السعر المتوقع لمحصوله.
كما تستهدف الزراعة التعاقدية تقليل الحلقات الوسيطة وربط المزارعين بصورة مباشرة بالمصانع والشركات، إلى جانب توفير التقاوي المعتمدة والدعم الفني من خلال القوافل الإرشادية والبحثية.
ويتيح هذا النموذج، بحسب توجهات الوزارة، تحقيق قدر أكبر من التكامل بين المزارع والجهات المستفيدة من الإنتاج، بما يساهم في تحسين جودة المحاصيل وضمان تسويقها.
60 صنفًا وهجينًا جديدًا خلال 3 سنوات
ويمثل البحث العلمي أحد المحاور الرئيسية في خطة زيادة الإنتاجية، حيث شهدت السنوات الثلاث الأخيرة استنباط وتطوير نحو 60 صنفًا وهجينًا جديدًا للمحاصيل الاستراتيجية.
وشملت هذه البرامج القمح والذرة والأرز والمحاصيل الزيتية والأعلاف، وذلك بهدف توفير أصناف تتميز بارتفاع الإنتاجية، والقدرة على تحمل الظروف المناخية، ومقاومة بعض الأمراض، إلى جانب احتياجاتها المختلفة من المياه.
وقاد مركز البحوث الزراعية جانبًا من هذه البرامج البحثية، في إطار التوسع في إنتاج أصناف محلية قادرة على تلبية احتياجات المزارعين ومواجهة التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية ومحدودية الموارد.
أصناف قمح جديدة لمواجهة الظروف المختلفة
ومن أبرز أصناف القمح التي تم استنباطها وتعميمها «مصر 3» و«مصر 4»، واللذان يتميزان بالإنتاجية العالية، إلى جانب صنف «جيزة 171» المقاوم لأمراض الصدأ.
كما تشمل الأصناف «سخا 95» و«سخا 96» ذات الاحتياجات المائية الموفرة، فضلًا عن «سدس 14» و«سدس 15» اللذين يتميزان بالتبكير في النضج.
ولم تتوقف برامج التطوير عند القمح الطري، حيث تم استنباط أصناف من القمح الصلب «الديورم»، من بينها «بني سويف 5» و«بني سويف 7»، و«سوهاج 5» و«سوهاج 6»، والتي تلائم صناعة المكرونة وتتحمل الظروف القاسية.
ويعكس تنوع الأصناف المطورة توجهًا نحو توفير حلول مختلفة للمزارعين، بحيث يمكن اختيار الصنف الملائم وفق طبيعة الأرض والظروف المناخية والاحتياجات الإنتاجية.
2.8 مليون فدان تستفيد من الممارسات الحديثة
وبالتوازي مع تطوير التقاوي والأصناف، توسعت الدولة في تطبيق ممارسات زراعية حديثة تستهدف رفع الإنتاجية وترشيد استخدام المياه.
وأوضح وزير الزراعة أنه تم تطبيق ممارسات مرشدة للمياه على مساحة بلغت نحو 2.8 مليون فدان، شملت الزراعة على مصاطب والتسوية بالليزر والحرث تحت التربة.
وساهمت هذه الممارسات، وفقًا للوزارة، في زيادة الإنتاجية بنحو 20%، بما يؤكد أهمية الإدارة الجيدة للأرض والمياه في تحقيق زيادة الإنتاج دون الحاجة إلى التوسع الأفقي وحده.
كما تم تأهيل نحو 750 ألف فدان، إلى جانب تحديث نظم الري الحقلي في 257 ألف فدان، ضمن جهود رفع كفاءة استخدام الموارد الزراعية وتحسين الإنتاجية.
توطين صناعة التقاوي.. خطوة جديدة لدعم الإنتاج
وفي محور آخر، شهد القطاع الزراعي تحركًا نحو توطين صناعة التقاوي، من خلال إنشاء كيانات متخصصة تستهدف زيادة الإنتاج المحلي من التقاوي والهجن وتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية.
وأوضح فاروق أن من أبرز هذه الكيانات شركة «أركو سيد»، التي تم إنشاؤها بالشراكة بين مركز البحوث الزراعية وجهاز مستقبل مصر والقطاع الخاص، بهدف إنتاج وتسويق الهجن المحلية.
كما تم إنشاء «شركة التحالف العربي» لإنتاج نحو 70% من احتياجات تقاوي البطاطس محليًا، بما يدعم توجه الدولة نحو بناء قاعدة محلية لإنتاج التقاوي وتوفير احتياجات القطاع الزراعي.
الصوامع الحديثة تقلل الفاقد
وامتدت جهود تطوير منظومة المحاصيل الاستراتيجية إلى مرحلة ما بعد الحصاد، من خلال تحديث منظومة التخزين وإنشاء وتطوير الصوامع الحديثة.
وساهمت هذه المنظومة في الحد من الفاقد وتحسين كفاءة تخزين الحبوب، بما يضمن الحفاظ على جزء أكبر من الإنتاج بعد حصاده، ويعزز قدرة الدولة على إدارة المخزون الاستراتيجي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة للقمح، باعتباره أحد أهم المحاصيل المرتبطة بالأمن الغذائي، حيث لا ترتبط زيادة الإنتاج فقط بزراعة مساحات أكبر، وإنما تشمل كذلك الحفاظ على المحصول بعد الحصاد ورفع كفاءة جمعه وتخزينه.
معادلة جديدة للزراعة المصرية
وبحسب رؤية وزارة الزراعة، فإن تجربة القمح تكشف عن توجه أوسع في التعامل مع ملف الإنتاج الزراعي، يقوم على عدة محاور متوازية؛ تبدأ من توفير الحافز الاقتصادي للمزارع، مرورًا بالتقاوي والأصناف المحسنة، والدعم والإرشاد، وصولًا إلى ترشيد المياه وتطوير نظم الري والتخزين.
وتشير النتائج المعلنة إلى أن زيادة الإنتاجية أصبحت محورًا أساسيًا في السياسة الزراعية، بالتوازي مع استصلاح الأراضي الجديدة، بما يسمح بتحقيق زيادة في الإنتاج من خلال استغلال أفضل للأراضي القائمة والموارد المتاحة.
وفي الوقت نفسه، يمثل توطين صناعة التقاوي وتطوير الأصناف المحلية أحد المسارات المهمة لدعم استدامة الإنتاج، خاصة مع استمرار التحديات المرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع الطلب على الغذاء.
وهكذا، تتحرك منظومة الزراعة المصرية من مجرد زيادة المساحات المنزرعة إلى بناء سلسلة إنتاج أكثر تكاملًا، تجمع بين البحث العلمي، والتكنولوجيا، والحوافز الاقتصادية، والإرشاد الزراعي، وترشيد المياه، وتطوير التخزين، بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز قدرة الدولة على تحقيق الأمن الغذائي.

