قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

دار الإفتاء تنقل خبراتها للباحثين الماليزيين في فقه النوازل.. صور

دار الإفتاء المصرية تنقل خبراتها للباحثين الماليزيين في فقه النوازل
دار الإفتاء المصرية تنقل خبراتها للباحثين الماليزيين في فقه النوازل

افتتح الدكتور علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، أعمال الدورة التدريبية التي ينظمها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية للباحثين الماليزيين والخبراء في المالية الإسلامية والشريعة بأكاديمية أفهام، تحت عنوان «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية المعاصرة»، بحضور الدكتور محمد وسام خضر، عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب بدار الإفتاء المصرية، الذي استهل اللقاء بتلاوة آيات من القرآن الكريم. 

وتستهدف الدورة التعريف بالمنهج العلمي والمؤسسي الذي تتبعه دار الإفتاء في دراسة النوازل المالية وصناعة الفتوى بشأنها، مع إتاحة خبرتها المتراكمة للباحثين والمتخصصين في مجال الشريعة والاقتصاد الإسلامي.

وفي مستهل البرنامج العلمي، استعرض الدكتور علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، بحث «دار الإفتاء التعريف والمهام»، متتبعًا مسيرة العمل الإفتائي في مصر من الممارسات الفردية والمحلية إلى الإطار المؤسسي الذي تأسست معه دار الإفتاء عام 1895م في عهد الشيخ حسونة النواوي، مع إبراز امتداد جذور الإفتاء المصري إلى عصور مبكرة وظهور مراكز للفتوى في عدد من المدن المصرية مثل رشيد وطنطا قبل مرحلة التنظيم المؤسسي.

وأوضح أن البيئة العلمية المصرية تميزت بتعدد المذاهب الفقهية داخل الأزهر واتساع دائرة الاختلاف المعتبر، وهو ما أتاح للمدرسة الإفتائية المصرية قدرة على استيعاب التنوع الفقهي والتعامل مع اختلاف الأحوال والأعراف دون الوقوع في الجمود المذهبي.

قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان

ومن حيث الجانب المنهجي، توقف رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية عند قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال والأعراف، مشيرًا إلى أن التغير المنضبط يرتبط بتنزيل الحكم على واقع متغير دون مساس بثوابت الشريعة وأصولها، وأن التحدي الحقيقي لا يتمثل في النصوص الفقهية الموروثة وإنما في التعامل مع فهم سابق للواقع باعتباره صالحًا لكل زمان ومكان، وهو ما يبرز أهمية الجمع بين فهم النص وفهم الواقع وتحقيق المناط.

واستشهد بنموذج فتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي في إباحة التصوير الفوتوغرافي بعد إدراك حقيقة العملية التصويرية، إلى جانب فتوى الإمام محمد سيد طنطاوي في المعاملات المصرفية بوصفها نموذجًا للتعامل المؤسسي مع التطورات الاقتصادية من خلال التكييف الفقهي الدقيق للمعاملة قبل إصدار الحكم عليها.

وانتقل الدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إلى محور «المعايير الشرعية والقرارات المجمعية في الإفتاء المالي»، مسلطًا الضوء على المكانة المركزية للمال والمعاملات المالية في حياة الناس وصلتها المباشرة بمقاصد الشريعة، ومبينًا أن المفتي في هذا المجال بحاجة إلى معرفة دقيقة بحقيقة المعاملة وتفاصيلها قبل إصدار الحكم، مع ضرورة التمييز بين الاسم المتداول للعقد وطبيعته القانونية والاقتصادية والفقهية، موضحًا أن المصطلحات الحديثة قد تحمل أحيانًا دلالات لا تتطابق مع حقيقة المعاملة، وهو ما يجعل تحديد طبيعتها وبنيتها الفعلية خطوة سابقة على البحث عن الحكم الشرعي.

وفي هذا السياق، ركز  عضو مجمع البحوث الإسلامية على أهمية الدقة في فهم المصطلحات والعقود والأدلة الشرعية، مستشهدًا بالفروق بين القرض والتمويل، ومبينًا أن إطلاق وصف «قرض استثماري» على معاملة تتعلق بإنشاء مصنع أو تمويل مشروع لا يكفي وحده لتحديد حكمها قبل الوقوف على حقيقتها وآلياتها وآثارها. كما توقف عند أهمية التثبت من الروايات والسياقات ودلالات النصوص قبل الاستدلال بها في النوازل، لافتًا النظر إلى قضايا الحقوق المالية داخل الأسرة ومسائل الميراث والكد والسعاية، ومؤكدًا أهمية النظر إلى الحقوق والالتزامات المالية في إطار متكامل، مع الإفادة من المعايير الشرعية وقرارات المجامع الفقهية والاجتهادات المعاصرة في الوصول إلى معالجة أكثر انضباطًا للقضايا المالية المستحدثة.

وعلى مستوى التواصل مع المستفتين، سلط الدكتور محمد وسام خضر، عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب بدار الإفتاء المصرية، الضوء على محور «مهارات التعامل مع المستفتين في الفتاوى المالية»، موضحًا أن تصوير الواقعة يمثل الأساس الذي تسبق به عملية إصدار الحكم، خصوصًا في المعاملات الاقتصادية المركبة التي قد تتداخل فيها عقود متعددة أو تتعدد أطرافها وآثارها، مشيرًا إلى أن المستفتي يقدم البيانات المتعلقة بالواقعة ولا يقدم حكمًا فقهيًّا عليها، بينما تقع مهمة استخراج الصورة الحقيقية على عاتق المفتي من خلال الأسئلة المتتابعة وتحليل المعلومات واستكمال ما ينقص منها، بما يضمن عدم بناء الحكم على تصور ناقص أو وصف ظاهري للمعاملة.

وفي الجانب التطبيقي، أبرز عضو الهيئة الاستشارية العليا للبحوث والتدريب ضرورة تجاوز الألفاظ الظاهرة إلى مقاصد العقود ومعانيها، مؤكدًا أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بمجرد الألفاظ والمباني، وأن التعامل مع العقود الجديدة يقتضي فحص شروطها وآثارها ومدى خلوها من الغرر والضرر، مع إمكانية الاستعانة بالدراسات الاقتصادية والمتخصصة والدراسات المستقبلية والدراسات الاكتوارية عند الحاجة، إلى جانب فهم العلة التي يقوم عليها الحكم وطبيعة المال ووظيفته في الاقتصاد الحديث، والاستفادة من التنوع الفقهي باعتباره مجالاً للاختيار المنضبط الذي يراعي اختلاف البيئات والأعراف والظروف.

أما الدكتور مصطفى حسن الأقفهصي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، فقد خصص محاضرته لبيان «مراحل صناعة الفتوى المالية بدار الإفتاء المصرية»، مستعرضًا الفتوى باعتبارها عملية علمية مركبة تبدأ بتصوير الواقعة وفهم تفاصيلها، ثم تكييفها فقهيًّا ووضعها في التصنيف الفقهي الصحيح، يعقب ذلك البحث عن الحكم من خلال الأدلة والقواعد الأصولية والفقهية، ثم الاختيار والترجيح وتنزيل الحكم على الواقعة وصياغته بالصورة التي تناسب المستفتي، موضحًا أن كل مرحلة تؤثر في المرحلة التالية، وأن الخلل في التصوير أو التكييف قد يؤدي إلى نتيجة غير دقيقة مهما بلغت قوة البحث في المراحل اللاحقة.

وفي ختام المحاور العلمية، لفت أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية الانتباه إلى أهمية تفكيك المعاملات المركبة وردها إلى مكوناتها الحقيقية، كما في الإجارة المنتهية بالتمليك وتمويل السيارات عبر البنوك وما قد تشتمل عليه من بيع ووكالة وضمان وتقسيط، مع مراعاة طبيعة العقود التبادلية والتبرعية والعقود المسماة والمستحدثة، مشيرًا إلى أن إنشاء عقود جديدة يظل ممكنًا متى استوفت الضوابط الشرعية وانتفت عنها أسباب الغرر والضرر. كما تطرق إلى ضرورة إدخال الشخصية القانونية للشركات والبنوك والجهات الحكومية ضمن عملية التصوير والتكييف، وعدم الحكم على المعاملة بمجرد وجود زيادة مالية دون معرفة طبيعة العلاقة ووظيفة المال وحقيقة التعامل.

واختتمت فعاليات اليوم بالتأكيد على أهمية بناء قدرات الباحثين والمتخصصين في المالية الإسلامية من خلال الجمع بين الملكة الفقهية والفهم الدقيق للواقع والاستفادة من الخبرات الاقتصادية والقانونية، مع مراعاة الأعراف والمآلات والبيئة التشريعية والتنظيمية، والإفادة من سعة الفقه الإسلامي وتعدد مدارسه في الاختيار والترجيح وفق ضوابط علمية لا تقوم على مجرد تتبع الأسهل، بما يعكس المنهج المؤسسي لدار الإفتاء المصرية في صناعة الفتوى المالية المعاصرة، ويعزز قدرتها على التعامل المنهجي مع النوازل المتجددة وتحقيق التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة.