قد ينطوي فحص الدم الروتيني على مؤشرات دقيقة ترتبط بخطر الإصابة بـ سرطان القولون والمستقيم لدى الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً؛ إذ كشفت دراسة جديدة عن وجود علاقة إحصائية بين انخفاض مستويات إنزيمين كبديين وبين الإصابة المبكرة بهذا المرض.
حلل باحثون من مؤسسة "إبيك ريسيرش" (Epic Research) بيانات طبية لأكثر من 11,000 شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و44 عاماً في الولايات المتحدة. وقد خضع جميع المشاركين لأول فحص للكشف عن سرطان القولون والمستقيم في الفترة ما بين عامي 2017 و2025، كما أجروا اختباراً واحداً على الأقل لقياس مستويات إنزيم "أسبارتات أمينوترانسفيراز" (AST) أو إنزيم "ألانين أمينوترانسفيراز" (ALT) خلال السنوات الثلاث السابقة لذلك.
وتبين أن الأشخاص الذين كانت لديهم مستويات من إنزيم (AST) تقل عن 14 وحدة لكل لتر كانوا أكثر عرضة بنسبة 65% للإصابة بسرطان القولون والمستقيم المبكر مقارنةً بأولئك الذين تراوحت مستوياتهم بين 14 و29 وحدة. وبالنسبة لإنزيم (ALT)، ارتبطت المستويات التي تقل عن 14 وحدة أيضاً باحتمالية أعلى بنسبة 68% لمثل هذا التشخيص.
وفي المقابل، ارتبطت مستويات إنزيم (AST) التي تبلغ 30 وحدة أو أكثر باحتمالية أقل بنسبة 22% للكشف عن السرطان، بينما ارتبط المستوى نفسه بالنسبة لإنزيم (ALT) باحتمالية أقل بنسبة 29%. وقد استخدم الباحثون النطاق الذي يتراوح بين 14 و29 وحدة للمقارنة، نظراً لأن هذه القيم كانت تعكس متوسط المستويات لدى المشاركين.
ما تعنيه المستويات المنخفضة من هذه الإنزيمات
غالباً ما تُدرج إنزيمات AST وALT ضمن فحوصات الدم الروتينية؛ إذ قد تشير المستويات المرتفعة منها إلى وجود تلف أو التهاب أو مرض في الكبد، بينما ترتبط المستويات المنخفضة أحياناً بانخفاض الكتلة العضلية، أو ضعف الحالة البدنية، أو عوامل تتعلق بالنظام الغذائي.
ووفقاً لكيرستن بارتلت، فإن الدراسة تظهر مجرد ارتباط إحصائي ولا توضح الأسباب الكامنة وراءه؛ فهي لا تثبت أن انخفاض مستويات هذه الإنزيمات يسبب السرطان، كما أنها لا تؤكد أن رفع مستويات AST أو ALT من شأنه أن يقلل من خطر الإصابة بالمرض.
لم تُظهر مقاييس أخرى حللها الباحثون - بما في ذلك مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول والبوتاسيوم - أي ارتباط بسرطان القولون والمستقيم المبكر. وفي المقابل، تبين أن المشاركين الذين شهدوا ارتفاعاً في مستويات إنزيمي AST أو ALT خلال السنوات الثلاث السابقة للفحص، كانوا أقل عرضة للتشخيص بالإصابة بنسبة 27% و26% على التوالي، مقارنةً بأولئك الذين ظلت مستويات الإنزيمات لديهم مستقرة. وفي الوقت نفسه، لم يظهر أي ارتباط ذي دلالة إحصائية بين انخفاض مستويات هذه الإنزيمات وبين المرض.
النتائج لا تغير إرشادات الفحص
يؤكد الباحثون أن دراستهم لم تُنشر بعد في مجلة علمية خاضعة لمراجعة الأقران. ففي الولايات المتحدة، يبدأ الفحص الروتيني للأشخاص ذوي المخاطر العادية عادةً عند سن الخامسة والأربعين، بينما قد يتم إجراء الفحص في سن مبكرة في حال وجود أعراض، أو تاريخ عائلي للإصابة بسرطان القولون والمستقيم، أو عوامل خطر أخرى.
ونظراً لأن إجراء الفحص الروتيني قبل سن الخامسة والأربعين ليس إجراءً معيارياً، لم يتمكن الباحثون من تحديد السبب الدقيق الذي دفع المشاركين للخضوع لتنظير القولون أو أي فحص آخر؛ إذ قد تعود الأسباب المحتملة إلى ظهور أعراض، أو وجود استعداد وراثي، أو ظروف أخرى زادت من احتمالية إصابتهم.
وقد وصف أخصائي أمراض الجهاز الهضمي، الدكتور مارك فينستر - الذي لم يشارك في الدراسة - هذه النتائج بأنها مؤشر مهم يستدعي إجراء المزيد من الأبحاث، لكنه حذّر في الوقت ذاته من استخدام مستويات AST وALT كمؤشرات مستقلة لتقييم المخاطر.
كشفت دراسة منفصلة شملت أكثر من 375 ألف شخص في المملكة المتحدة عن وجود علاقة بين المستويات المرتفعة -وإن كانت تقع في الغالب ضمن النطاق الطبيعي- لإنزيمي الكبد (AST) و(ALT) وبين انخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم على المدى الطويل. ومع ذلك، لم تثبت أي من الدراستين وجود علاقة سببية مباشرة.
وأشار دانيال سوسمان، من مركز "سيلفستر" الشامل للسرطان (Sylvester Comprehensive Cancer Center)، إلى أن القيم "المنخفضة" المذكورة في التحليل الجديد تُعدّ عموماً قيماً طبيعية في الممارسة السريرية. ويرى سوسمان أن هذه النتائج تتطلب تحققاً دقيقاً، ولا تبرر إجراء فحوصات الكشف المبكر للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 45 عاماً لمجرد مستويات إنزيمي (AST) أو (ALT) لديهم.
ويعتزم الباحثون تحديد ما إذا كانت هذه العلاقة المرصودة تنطبق أيضاً على شريحة سكانية أوسع. وفي الوقت الراهن، ينبغي النظر إلى انخفاض مستويات إنزيمات الكبد كمجال يستدعي مزيداً من الدراسة، وليس كدليل على وجود سرطان القولون والمستقيم أو حتمية الإصابة به مستقبلاً.

