لأكثر من قرن ارتبطت القهوة في أذهان الملايين بحبوب البن المحمصة، لكن تطور علوم الغذاء والتقنيات الحديثة بدأ يفتح الباب أمام فكرة تبدو للوهلة الأولى غير منطقية: «إنتاج مشروب يحمل مذاق القهوة ورائحتها وطريقة تحضيرها، من دون الاعتماد على حبوب البن التقليدية».
الفكرة التي تعرف باسم «القهوة بلا قهوة» أو Beanless Coffee- بحسب الخبير الاقتصادي معتز الطريف- لم تعد مجرد تجربة غريبة؛ بل أصبحت مجالًا متناميًا في علوم الأغذية، يعتمد على استخدام مكونات نباتية مختلفة، ثم إخضاعها للتحميص أو التخمير أو المعالجة الحرارية؛ لإنتاج مركبات عطرية ومذاقية تشبه تلك الموجودة في القهوة التقليدية.
السر ليس في حبة البن
المفاجأة العلمية الأساسية أن الطعم والرائحة اللذين نربطهما بالقهوة لا ينتجان من مركب واحد فقط، فعند تحميص المواد النباتية تحدث تفاعلات كيميائية، من بينها تفاعلات ميلارد، تؤدي إلى تكوين مجموعة كبيرة من المركبات المسؤولة عن الروائح المحمصة والنكهات التي تتراوح بين المرارة والكراميل والشوكولاتة والمكسرات.
ولهذا يحاول الباحثون ومطورو الأغذية إعادة إنتاج هذه البصمة الكيميائية باستخدام مواد أخرى، مثل بذور التمر، جذور الهندباء، الحبوب ومخلفات بعض الصناعات الغذائية، وأحيانًا مكونات نباتية يجري تخميرها قبل التحميص.
وتشير تقنيات حديثة إلى إمكانية استخدام التحليل الكيميائي المتقدم لرصد المركبات المتطايرة التي تمنح المشروب خصائص قريبة من القهوة، ثم تعديل التركيبة للوصول إلى مذاق أكثر تشابهًا.
بذور التمر تدخل على الخط
من أكثر المكونات إثارة للاهتمام في هذا المجال نوى التمر، التي كانت في السابق تعد في كثير من الحالات من المخلفات الزراعية.
وأظهرت أبحاث وتجارب غذائية حديثة إمكانية تحميص وطحن نوى التمر واستخدامها في إنتاج مشروبات تشبه القهوة، بينما بحثت تقنيات أحدث في إخضاع النوى لمراحل معالجة وتخمير ومعالجة حرارية بهدف زيادة المركبات المسؤولة عن النكهة المحمصة.
وتشير نتائج منشورة- استعرضها معتز الطريف- حول بدائل القهوة المصنوعة من بذور التمر، إلى أن هذه البذور خالية طبيعيًا من الكافيين، وهو ما يجعلها مختلفة جذريًا عن القهوة التقليدية بالنسبة لمن يريدون مشروبًا بطابع القهوة من دون جرعة الكافيين المعتادة.
لكن هنا تظهر نقطة مهمة: عدم احتواء المنتج على البن لا يعني تلقائيًا أنه خالٍ من الكافيين؛ فبعض التركيبات الحديثة قد تضيف الكافيين بصورة منفصلة؛ إذا كان الهدف تقليد التأثير المنبه للقهوة.
التخمير.. خطوة جديدة لصناعة «نكهة القهوة»
من التطورات اللافتة أيضًا إدخال التخمير في صناعة البدائل، فالتخمير يمكن أن يغير تركيب المواد الخام ويؤثر في المركبات العطرية التي تظهر لاحقًا أثناء التحميص.
وفي بعض النماذج التجريبية، جرى استخدام تخمير بذور التمر قبل معالجتها وتحميصها، وظهرت زيادة في بعض المركبات المرتبطة بالروائح الناتجة عن تفاعلات ميلارد.
وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد تحميص بذرة بديلة حتى تصبح داكنة اللون، وإنما أصبحت أقرب إلى هندسة كيميائية للنكهة، تبدأ باختيار المادة الخام، ثم التحكم في التخمير والرطوبة ودرجة الحرارة، وصولًا إلى التحميص والاستخلاص.
قهوة من مخلفات الطعام.. المفاجأة الأكبر
فجر الخبير الاقتصادي، جانبا آخر من الفكرة يرتبط بما يعرف باسم إعادة تدوير أو رفع قيمة المخلفات الغذائية، فبعض مشروعات القهوة الخالية من حبوب البن استخدمت مواد كان يمكن أن تتحول إلى مخلفات، مثل لب الحبوب وبعض المنتجات الثانوية لصناعات غذائية مختلفة، ثم جرى تخميرها ومعالجتها وتحميصها لإنتاج قاعدة يمكن تحضيرها بطريقة مشابهة للقهوة.
وفي سنغافورة، على سبيل المثال، طُورت تجارب للقهوة الخالية من حبوب البن باستخدام مكونات معاد تدويرها، من بينها بقايا فول الصويا والخبز الفائض وحبوب الشعير المستخدمة في صناعة المشروبات، مع الاعتماد على تقنيات حيوية لإنتاج نكهات شبيهة بالقهوة.
هل «القهوة بلا قهوة» صحية أكثر؟
هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة؛ فالعلم حتى الآن لا يسمح بالقول إن كل أنواع القهوة الخالية من البن أكثر صحة من القهوة التقليدية، فالتركيبة تختلف بصورة كبيرة من منتج إلى آخر، وبالتالي تختلف كمية السكر والكربوهيدرات والكافيين والمركبات النباتية من مشروب إلى آخر، بل إن بعض المنتجات قد تكون مصممة لإضافة الكافيين، بينما تعتمد منتجات أخرى على مكونات خالية منه تمامًا.
وفي المقابل، كشفت دراسة حديثة منشورة، أن طريقة تحضير القهوة التقليدية نفسها تؤثر بصورة كبيرة في مستويات مركبات كافستول وكاهويول، وهي مركبات ترتبط بتأثيرات على الكوليسترول عند استهلاك القهوة غير المفلترة.
ووجد الباحثون فروقًا كبيرة بين القهوة المفلترة ورقيًا وبعض طرق التحضير غير المفلترة، وهذا يوضح أن الحديث عن «القهوة» كمنتج واحد يخفي وراءه اختلافات كيميائية كبيرة بين الأنواع وطرق التحضير.
هل ستختفي حبوب البن؟
رغم الضجة العلمية والتجارية حول القهوة الخالية من البن؛ لا توجد مؤشرات علمية تسمح بالقول إن حبوب البن ستختفي قريبًا، لكن التطور الحالي يكشف عن اتجاه جديد في صناعة الأغذية: «محاولة فصل تجربة تناول الطعام عن مصدره التقليدي».
وبالنسبة للقهوة، يعني ذلك أن المستهلك قد يحصل مستقبلًا على مشروب يتم تحضيره في ماكينة الإسبريسو أو بطريقة التقطير المعتادة، ويملك لونًا ورائحة وطعمًا قريبًا من القهوة، بينما المادة الأصلية الموجودة في الكوب ليست حبة بن على الإطلاق.
وقد تصبح هذه التقنية أكثر أهمية؛ مع ارتفاع الاهتمام بتأثير تغير المناخ على الزراعة وسلاسل إمداد القهوة، إذ يبحث قطاع الأغذية عن طرق لتقليل الاعتماد على محصول واحد مع الحفاظ على التجربة التي اعتاد عليها المستهلك.





