في مبنى أبيض ضخم يشبه مركبة فضائية هبطت وسط مدينة لوس أنجلوس الأمريكية، يفتح المخرج جورج لوكاس، مبتكر سلسلة أفلام "حرب النجوم" "Star Wars"، أبواب متحف جديد يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الفن والحكاية والصورة.
ويضم متحف لوكاس لفن السرد المقرر افتتاحه اليوم 22 سبتمبر مجموعة واسعة من الأعمال التي تمتد من اللوحات والرسوم التوضيحية إلى القصص المصورة والتصوير الفوتوغرافي، في مشروع يطرح تساؤلات حول حدود المتحف الفني وطبيعة الأعمال التي تستحق العرض داخله.
ويقام المتحف في متنزه إكسبوزيشن بارك، وتشارك في تأسيسه ميلودي هوبسون، زوجة لوكاس، بينما صمم المبنى المعماري ما يانج سونج. وتبلغ مساحة المتحف أكثر من 300 ألف قدم مربعة، وتقدر تكلفة إنشائه بنحو مليار دولار، في حين يضم نحو 1300 عمل فني معروض، ضمن مجموعة شخصية واسعة جمعها لوكاس على مدار سنوات.
وتتناول صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية المتحف في مراجعة كتبها الناقد فيليب كينكوت، متسائلا عما إذا كان المشروع يمثل نهاية متحف الفن بصورته التقليدية. ولا يركز المقال على حجم المبنى أو تكلفة إنشائه فحسب، وإنما يناقش الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المتحف، وهي "فن السرد"، ومدى قدرتها على تجاوز التصنيفات القديمة التي فصلت بين الفن التشكيلي والرسوم التوضيحية والفنون الشعبية.
ويقوم مفهوم "فن السرد" على تقديم الأعمال التي توضح قصة أو لحظة أو فكرة إنسانية، بدلا من التركيز حصرا على تاريخ العمل أو أسلوبه الفني أو مكانته داخل تاريخ الفن. ويوضح رايان لينكوف، كبير أمناء المتحف، أن الحكاية تأتي أولا، بينما يؤدي الفن وظيفة توضيحها. وتؤدي هذه الرؤية إلى الجمع بين أعمال تنتمي إلى مجالات مختلفة، مثل القصص المصورة والمانجا والخيال العلمي والفانتازيا، إلى جانب لوحات لفنانين معروفين مثل فريدا كاهلو وآندي وارهول.
ويضم المتحف أيضا أعمالا مرتبطة بشخصيات وثقافات شعبية، من بينها مواد فنية ومقتنيات من عالم "حرب النجوم"، إلى جانب أعمال لفنانين مثل نورمان روكويل وإدوارد هوبر، ورسوم توضيحية وملصقات وأعمال تصويرية. كما تتضمن مجموعته أعمالا لبانكسي، وأعمالا مرتبطة بالسينما والرسوم المتحركة، بما يعكس اهتمام لوكاس بالصور التي تصل إلى الجمهور من خلال الحكايات والشخصيات.
لكن هذا الاتساع في مفهوم الفن لا يخلو من الجدل. فبينما يرى المشروع أن إزالة الحدود بين الفنون يمكن أن تتيح الاعتراف بأعمال ظلت مهمشة أو أقل تقديرا، ينتقد كينكوت اعتماد المتحف على تقديم الأعمال بوصفها تجارب بصرية مستقلة عن سياقاتها التاريخية والسياسية. ويشير إلى أن بطاقات التعريف المصاحبة للأعمال تكتفي غالبا بذكر اسم الفنان وتاريخ العمل وخامته، من دون تقديم شرح موسع للخلفية التي نشأ فيها.
ويرى الناقد أن هذا الأسلوب قد يحرم الزائر من فهم الظروف الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بإنتاج بعض الأعمال، خصوصا أن الصور واللوحات لا تنفصل دائما عن تاريخ أصحابها أو المجتمعات التي تصورها. ومن وجهة نظره، فإن التركيز على الحرفة البصرية وقدرة العمل على جذب الانتباه قد يأتي أحيانا على حساب الأسئلة المتعلقة بالرسالة والمضمون والتأثير الثقافي.
وتظهر هذه الإشكالية في تنوع المعروضات داخل المتحف، حيث تتجاور أعمال تنتمي إلى عوالم مختلفة، من الرسوم المخصصة للأطفال إلى صور الحياة اليومية والأعمال ذات الطابع السياسي. ويطرح هذا التجاور سؤالا حول ما إذا كان جمع الأعمال تحت مظلة واحدة، هي "فن السرد"، كافيا لفهم الاختلافات بينها، أم أنه يؤدي إلى إخفاء الفروق المتعلقة بالقيمة الفنية والتاريخية والأخلاقية.
ومع ذلك، يقر المقال بأن المتحف يمنح بعض الفنانين الذين ارتبطت أعمالهم بالرسوم التوضيحية والمجلات والقصص المصورة فرصة جديدة للعرض داخل مؤسسة فنية ضخمة. كما يشير إلى أن بعض قاعاته، ولا سيما المخصصة للقصص المصورة، تحتوي على مواد يمكن أن تشكل متحفا مستقلا في حد ذاتها، بما في ذلك أعمال من تاريخ القصص المصورة الأمريكية وأعمال ذات تأثير واضح على الثقافة الشعبية.
ولا يقتصر المشروع على عرض الأعمال الفنية، إذ يضم المتحف قاعات للعرض السينمائي ومكتبة للبحث وحدائق ومساحات عامة، بما يجعله مؤسسة تجمع بين المتحف ومركز الثقافة البصرية. ويستهدف هذا النموذج جمهورا أوسع من زوار المتاحف التقليدية، من خلال تقديم أعمال مألوفة من السينما والقصص المصورة إلى جانب أعمال فنية من عصور واتجاهات مختلفة.
وفي النهاية، يفتح متحف لوكاس لفن السرد نقاشا حول الدور الذي يمكن أن تؤديه المتاحف في عصر تتداخل فيه الفنون مع السينما والإعلانات والقصص المصورة والثقافة الشعبية. وبينما يراهن المشروع على قوة الحكاية والصورة في جذب جمهور متنوع، يظل السؤال المطروح حول كيفية تحقيق التوازن بين سهولة الوصول إلى الفن، والحفاظ على السياق التاريخي والفكري الذي يمنح الأعمال معناها الأوسع.
استغرق مشروع متحف لوكاس لفن السرد نحو 17 عاما قبل افتتاحه في لوس أنجلوس، بعدما طُرحت في مراحل سابقة خطط لإقامته في سان فرانسيسكو وشيكاغو. ويقع المتحف في متنزه إكسبوزيشن بارك بالقرب من جامعة جنوب كاليفورنيا، ويضم مجموعة من الأعمال التي جمعها جورج لوكاس وميلودي هوبسون، إلى جانب مقتنيات مرتبطة بالسينما والرسوم التوضيحية والقصص المصورة. ويعتمد المتحف على مفهوم "فن السرد"، الذي يجمع أعمالا مختلفة انطلاقا من قدرتها على نقل قصة أو فكرة من خلال الصورة. ويفتتح المتحف أمام الجمهور اليوم بعد حفل افتتاح يحضره عدد من نجوم السينما والفن والثقافة.