واصل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فعاليَّات ملتقيات (شُبُهات وردود)، التي تنظِّمها اللجنة العُليا لشئون الدعوة بالمجمع في إطار برنامج (منبر الوعي)، وذلك بتوجيهات كريمة من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، وفضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.
وحاضر في الملتقى السابع -الذي عُقِد في مدينة البعوث الإسلاميَّة- أ.د. حمدي الهدهد، عميد كليَّة البنات الأزهريَّة بالعاشر من رمضان، فيما أدار اللقاء الشيخ يوسف المنسي، عضو الأمانة المساعدة للجنة العُليا لشئون الدَّعوة بمجمع البحوث الإسلاميَّة؛ إذ تناول الملتقى عددًا من المحاور المتعلِّقة بلغة القرآن الكريم، وفي مقدِّمتها اللَّحن في القرآن الكريم، والألفاظ الأعجميَّة فيه، وما يرتبط بهما من شُبُهات تحتاج إلى بيانٍ علميٍّ دقيق.
الشُّبهات المثارة حول لغة القرآن الكريم
وفي كلمته، أكَّد أ.د. حمدي الهدهد أنَّ المنهج الأمثل في التعامل مع الشُّبهات المثارة حول لغة القرآن الكريم يقوم على إدراك خصوصيَّة القرآن الكريم ومكانته، موضِّحًا أنَّ اللغة العربيَّة لا يحيط بجميع دقائقها إلا نبيٌّ؛ ومِن ثَمَّ لا يصحُّ إخضاع القرآن الكريم لقواعد وُضعت في مراحل لاحقة للحكم على سلامة لغته؛ لأنَّ القرآن الكريم هو الحاكم على اللغة، وهو من أعلى مصادر الاحتجاج بها.
وأوضح أنَّ العرب -وهم أرباب الفصاحة والبيان وأهل اللسان الذي نزل به القرآن الكريم- عجزوا عن أن يجدوا في لغته خللًا، أو أن يأتوا بمثله؛ وهو ما يجعل محاولة الطعن في فصاحة القرآن الكريم من غير أهله أبعد عن الصواب، مؤكِّدًا أنَّ النظر في لغة القرآن الكريم ينبغي أن ينطلق من معهود العرب في كلامهم واستعمالاتهم، لا من أحكام مسبقة تُسقط على النَّص القرآني.
وأشار عميد كليَّة البنات الأزهريَّة بالعاشر من رمضان إلى أنَّ اللغة العربيَّة تشتمل على العربي الصرف، والمعرَّب الذي أدخلته العرب في لسانها وأخضعته لقواعدها، إلى جانب ما يُسمَّى بالأعجمي الذي استعملته العرب في كلامها، مبيِّنًا أنَّ العبرة في هذا الباب بالاستعمال العربي وما استقرَّ عليه لسان العرب، وهو ما يقتضي فهم الألفاظ الواردة في القرآن الكريم في ضوء طبيعة اللغة واستعمالاتها.
وفي ختام الندوة، أشار الشيخ يوسف المنسي إلى أنَّ التحدي بإعجاز القرآن الكريم قائم إلى يوم القيامة، وأنَّ وصفه بأنَّه {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ} يعني فهمه وَفق معهود العرب في التخاطب والاستعمال، بعيدًا عن القراءات التي تتعامل مع بعض الألفاظ أو الأساليب بمعزل عن سياقها اللُّغوي.
وأوضح أنَّ إثارة الحديث عن اللَّحن أو العُجمة في القرآن الكريم من جانب من يبتعدون عن الإحاطة باللسان العربي تقتضي التنبُّه إلى ما قد تُفضي إليه هذه الدعاوى من بثِّ الشك في سلامة النَّص القرآني، ومحاولة إثبات البشريَّة فيما هو معصوم، مؤكِّدًا أهميَّة التعامل مع هذه الشُّبهات بوعيٍ علمي، والرجوع إلى أصول اللغة وعلوم القرآن في بيان حقيقتها.
وتأتي هذه الملتقيات في إطار جهود مجمع البحوث الإسلاميَّة لترسيخ الوعي الدِّيني الرشيد، وتحصين الشباب من الشُّبهات والمفاهيم المغلوطة، من خلال تقديم معالجة علميَّة رصينة لما يُثار حول القرآن الكريم وعلومه، تستند إلى أصالة المنهج الأزهري، ودقَّة النقل، وقواعد التحقيق العلمي؛ بما يُسهِم في بناء وعيٍ قادر على فهم القضايا المتعلِّقة بالقرآن الكريم وعلومه بعيدًا عن القراءات المجتزأة أو الأحكام المبنيَّة على تصوُّرات غير دقيقة.

