في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه اليمن، وتداعيات الحرب والانقسام الاقتصادي والنقدي، تبرز أزمة التعليم والنزوح وتراجع الموارد والخدمات، بالتزامن مع استمرار تأثير هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب على حركة التجارة وتكاليف النقل والتأمين. وفي هذا الحوار الخاص لصدى البلد، يستعرض الدكتور علي أحمد السقاف، أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة عدن، أبرز التداعيات الاقتصادية للأزمة اليمنية، ومؤشرات تدهور الاقتصاد، والخطوات العاجلة المطلوبة للحد من الفقر واستعادة النشاط الاقتصادي.
_1829_120818.jpg)
1. كيف تقيمون التأثير الاقتصادي لإضراب المعلمين في اليمن؟ وهل استمرار الإضراب قد يترك تداعيات طويلة المدى على التعليم ورأس المال البشري وسوق العمل؟
لا شك أن إضراب أي قطاع من قطاعات الدولة له تداعيات على المدى الطويل أو المتوسط على الاقتصاد عامة، وعلى رأس المال البشري وسوق العمل خاصة. وإضراب المعلمين له تأثير مباشر على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، لأن التعليم هو استثمار طويل المدى، ويمثل الرافعة الاقتصادية لأي بلد، لما له من أثر على رأس المال البشري وسوق العمل.
وحدث إضراب للمعلمين المتعاقدين في محافظة حضرموت في بداية الأسبوع الجاري، حيث أقدمت مكاتب التربية والتعليم هناك على فصل المتعاقدين الذين لهم سنوات في العمل التدريسي. وقامت مظاهرات على إثر ذلك، مطالبة بإعادتهم إلى أعمالهم وتثبيتهم. وأصدر محافظ محافظة حضرموت وعضو المجلس الرئاسي، الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، قرارًا بإلغاء قرارات الفصل واستمرار المعلمين المتعاقدين في عملهم.
وخلافًا لذلك، لا توجد إضرابات في القطاع التربوي، والعملية التعليمية مستمرة. وفي العام الماضي، كانت هناك إضرابات للمعلمين الذين طالبوا بهيكل أجور للمعلمين والتربويين وزيادة رواتبهم الضئيلة، حيث لا يتجاوز راتب المعلم في المتوسط 60 ألف ريال، أي ما يساوي 38 دولارًا.
وفي إحدى الدراسات التي أجريتها لصالح منظمة الطفولة وUSAID و«Save the Children»، حول «مشروع بوابة التعليم – اليمن، النتيجة الوسطية الرابعة – تحسين إدارة المعلم ومدير المدرسة وحافز المعلمين المادية والمعنوية»، طالبت بزيادة رواتب المعلمين بنسبة 100% على ثلاث مراحل، حيث سيصبح راتب المعلم 80 دولارًا بدلًا من 38 دولارًا.

2. في ظل أزمة النزوح المستمرة، ما الكلفة الاقتصادية التي تتحملها المحافظات المستقبلة للنازحين، وهل أصبحت أزمة النزوح عاملًا ضاغطًا على الخدمات وفرص العمل والموارد المحلية؟
أزمة النزوح ليست وليدة اللحظة أو نتيجة للأحداث الأخيرة في باب المندب، فالازمة تمتد إلى عام 2015، عندما شن الحوثيون، بالتحالف مع الرئيس الأسبق علي عبدالله صالح وحزبه، حزب المؤتمر الشعبي العام، حربًا على الجنوب عامة، واحتلوا محافظتي عدن وحضرموت، وبعد أن تم طردهم من الجنوب بدأ العديد من المواطنين بالنزوح إلى المحافظات المحررة، عدن وحضرموت خاصة.
وشمل النزوح أيضًا سكان المناطق القريبة من المحافظات الجنوبية، وتعز نموذجًا. واستمرت عملية النزوح إلى عدن من كل المحافظات اليمنية فيما بعد، هربًا من بطش الحوثيين.
وقبل عام 2015، كان سكان محافظة عدن 850 ألف نسمة، وحاليًا يُقدّر عدد السكان بنحو 2.5 مليون نسمة، وهذه الطفرة في السكان ناتجة عن عملية النزوح المستمرة من كافة المحافظات اليمنية طلبًا للأمن والأمان.
والكلفة الاقتصادية للنزوح تتمثل في فقدان الدخل وفرص العمل، وخسارة رأس المال والممتلكات، حيث نزح العديد منهم إلى الممتلكات الحكومية كالمدارس، وتعطلت العملية التعليمية لسنوات في بعض المدن والقرى، وكذلك تكاليف الإغاثة والاستضافة الباهظة.
ولا شك أن عملية النزوح المستمرة تشكل عاملًا ضاغطًا على خدمات الكهرباء والمياه بدرجة أساسية.
والكهرباء في عدن حاليًا بنظام 8 ساعات انقطاع وساعتين تشغيل، ولا ينعم المواطن في عدن خلال 24 ساعة إلا بساعات تشغيل لا تتجاوز 4 ساعات، أي أن الكهرباء تنقطع 20 ساعة في اليوم وينعكس ذلك على المياه، حيث يحصل المواطن على خدمات المياه مرتين في الأسبوع.
إن تدفقات النازحين من المحافظات اليمنية المختلفة إلى عدن لا شك أنها تضغط على فرص العمل، وهي شحيحة، وعلى الموارد المحلية للعاصمة عدن.
والناس تنزح إلى عدن لأنها مقر لحكومة الشرعية، ويطمحون في الحصول على خدمات وأيضًا فرص العمل.
_1829_120740.jpg)
3. إلى أي مدى أثرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب على الاقتصاد اليمني، خصوصًا حركة التجارة والموانئ وأسعار السلع وتكاليف النقل والتأمين؟
فقد الاقتصاد اليمني 120 مليار دولار منذ أن شن الحوثيون الحرب في بداية 2015. والاقتصاد اليمني يعتمد أساسًا على صادرات النفط، الذي يشكل 75% من الناتج المحلي الإجمالي و90% من الموازنة العامة، وتوقفت صادرات النفط منذ عام 2022. كل ذلك أثر بالطبع على حركة التجارة وأسعار السلع وتكاليف النقل والتأمين.
وزادت أسعار السلع بنسب متفاوتة من 100% إلى 500% لبعض السلع.
أما هجمات الحوثيين على باب المندب، فلا شك أنها ستعمق الأزمة، وستزداد تكاليف نقل السلع وبوليصة الشحن والتأمين، ويتوقع الخبراء أن تزداد هذه التكاليف بنسبة 300%.
_1829_120653.jpg)
4. بعد سنوات من الحرب والانقسام الاقتصادي والنقدي، ما أبرز المؤشرات التي تكشف حجم تدهور الاقتصاد اليمني، وهل يمكن تحقيق تعافٍ اقتصادي حقيقي في ظل استمرار الصراع؟
أبرز المؤشرات الاقتصادية التي تكشف حجم التدهور الاقتصادي اليمني يمكن إيجازها في الآتي:
أولًا: فقد الاقتصاد اليمني منذ عام 2015 نحو 120 مليار دولار، كما أسلفت.
ثانيًا: سجل الاقتصاد اليمني انكماشًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.5% عام 2025.
ثالثًا: استمرار توقف صادرات النفط، الذي يشكل 90% من الموازنة العامة.
رابعًا: تراجع التمويل الإنساني والمعونات الدولية.
خامسًا: ارتفاع معدلات الفقر لتصل إلى 80%.
سادسًا: معاناة أكثر من 60% من الأسر من أزمات الغذاء.
سابعًا: استمرار الضغوط التضخمية وضعف العملة، ويوجد هناك سعران لصرف الدولار مقابل الريال اليمني، حيث إن الدولار الواحد يساوي 1557 ريالًا في مناطق سيطرة الشرعية المعترف بها دوليًا، و530 ريالًا للدولار الواحد في مناطق سيطرة الحوثيين، وهذا نتيجة لانقسام البنك المركزي في كل من صنعاء وعدن.
ثامنًا: لا يمكن تحقيق أي تعافٍ اقتصادي في ظل استمرار الحرب. ما لم تتوقف الحرب ويتم الدخول في مفاوضات دون شروط لتحقيق السلام، فإن الأزمة الاقتصادية ستتفاقم.

5. ما هي الخطوات الاقتصادية العاجلة التي تحتاجها اليمن اليوم للحد من الفقر وتحسين مستوى معيشة المواطنين واستعادة النشاط الاقتصادي؟
أولا: وقف الحرب، وثانيًا: الدخول في مفاوضات سلام قابلة للتطبيق، وأخيرًا إعادة صادرات النفط .
