قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بابا الفاتيكان يحمل رسالة السلام والإنسانية إلى فرنسا

بابا الفاتيكان يحمل رسالة السلام والإنسانية إلى فرنسا
بابا الفاتيكان يحمل رسالة السلام والإنسانية إلى فرنسا

في زمنٍ يتعطش إلى السلام والوحدة، وسط اتساع رقعة النزاعات والحروب، وتراجع احترام قواعد القانون الدولي والإنساني، وتنامي المخاوف من سوء استخدام الذكاء الاصطناعي؛ يأتي بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر إلى فرنسا حاملًا رسالة إنسانية شاملة تتجاوز الإطار الديني التقليدي، لتلامس قضايا التضامن ومستقبل أوروبا، وصولًا إلى سؤال ملحّ يتعلق بمصير الإنسان في العصر الرقمي.

وتصف مختلف الأوساط الفرنسية هذه الزيارة بـ"التاريخية"، بالنظر إلى التوقيت بالغ الدقة الذي يشهده العالم، لاسيما مع انعكاسات أزمتي أوكرانيا والشرق الأوسط على حياة المواطنين في فرنسا، ولكونها الرحلة الخارجية الخامسة للبابا ليون الرابع عشر، والأولى له إلى البلاد منذ اعتلائه كرسي البابوية، فضلًا عن أنها أول إطلالة بابوية رسمية على الأراضي الفرنسية بعد زيارة البابا بنديكت السادس عشر عام 2008.

وتحمل هذه الزيارة طابعًا مزدوجًا، فهي من جهة زيارة بابوية وفق التصنيف المعتمد لدى دولة الفاتيكان، ومن جهة أخرى زيارة رئيس دولة، وهو ما دفع الجانبين الفرنسي والفاتيكاني إلى تكييف البروتوكول الجمهوري المعتاد بما يتناسب مع طبيعتها الروحية، حيث جرى الاستغناء عن بعض الطقوس التقليدية للزيارات الرسمية، كاستعراض القوات العسكرية في قصر الإنفاليد وموكب الخيالة على جادة الشانزليزيه، بالتنسيق بين الجانبين، للتركيز على الرسالة المحورية الداعية إلى السلام والأخوة والاهتمام بالشباب.

ويمتد برنامج الزيارة من الجمعة 25 سبتمبر وحتى الاثنين 28 سبتمبر الجاري، ويشمل باريس وسان دوني شمال العاصمة، ومدينة لورد جنوب غرب فرنسا، ومتز شمال شرق البلاد، في رحلة تجمع بين المحطات الروحية والإنسانية والدولية والأوروبية.

ويعكس تنوع البرنامج اتساع الرسائل التي يحملها البابا، من الحوار مع السلطات الفرنسية والمجتمع الدولي، إلى قضايا التعليم والثقافة والذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى الشباب والسلام والوحدة الأوروبية.

وتُستهل الزيارة في باريس، من قصر الإليزيه حيث لقاء البابا بالرئيس إيمانويل ماكرون، وبحسب مصدر مسؤول بالرئاسة الفرنسية، تشمل المحادثات ملفات المناخ والذكاء الاصطناعي، والأزمات الدولية والإقليمية وفي مقدمتها السلام في الشرق الأوسط وأوكرانيا، إلى جانب قضايا مجتمعية فرنسية داخلية، مثل النقاش حول قانون «نهاية الحياة» وحماية القاصرين، وذلك في إطار الحوار المعتاد بين الطرفين حول التشريعات الجارية ومبادئ العلمانية.

وفي إطار مبدأ الفصل بين الدولة والدين الذي يقوم عليه النظام العلماني الفرنسي، لن يحضر رئيس الجمهورية أيًا من القداديس الثلاثة المقررة خلال الزيارة في باريس ولورد ومتز، إذ سيمثله رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في قداس العاصمة، فيما سيقتصر حضور ماكرون الشخصي على الشق الرسمي في باريس واللقاء الأوروبي في مدينة متز.

وفي محطة تمثل أحد أبرز الأبعاد الدولية في زيارته إلى فرنسا، يتوجه البابا إلى مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».

وتكتسب زيارة اليونسكو أهمية خاصة، ليس فقط لكونها زيارة لمؤسسة دولية معنية بالتعليم والعلم والثقافة، وإنما أيضًا لارتباطها المباشر بقضية أصبحت في صميم النقاش العالمي، وهي مستقبل الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي.

وأكدت اليونسكو أن البابا ليون الرابع عشر يزور المنظمة بدعوة من مديرها العام الدكتور خالد العناني، ويلقي خطابًا رسميًا أمام المجتمع الدولي وأسرة اليونسكو، في زيارة هي الأولى لبابا إلى المنظمة منذ زيارة البابا يوحنا بولس الثاني عام 1980.

وتتصل هذه المحطة بصورة مباشرة برسالة البابا العامة «Magnifica Humanitas»، أي «الإنسانية العظيمة»، التي وقعها في 15 مايو الماضي، وتتناول حماية الشخص الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي، وتطرح عددًا من المبادئ المرتبطة بكرامة الإنسان والعدالة والسلام، وضرورة أن يظل التطور التكنولوجي في خدمة الإنسان دون أن يلحق الضرر به أو يحل محله.

ومن هنا، تكتسب زيارة اليونسكو دلالة تتجاوز حدود التكنولوجيا ذاتها، لتضع الذكاء الاصطناعي في سياق يرتبط بالتعليم والثقافة وحرية الفكر والإبداع والكرامة الإنسانية، وهي قضايا تتزايد أهميتها مع اتساع تأثير الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، خاصة على الأجيال الناشئة.

وبعد اليونسكو، يتوجه البابا إلى كاتدرائية نوتردام في باريس للمشاركة في صلاة الغروب مع الأساقفة والكهنة والشمامسة وأفراد الحياة المكرسة وطلاب الإكليريكيات، قبل أن ينتقل إلى مدينة سان دوني للقاء الشباب بملعب فرنسا «ستاد دو فرانس».

وتمثل المشاركة الشبابية أحد المحاور الأساسية للزيارة، إذ يلتقي البابا جيلًا يعيش في قلب تحولات اجتماعية وتكنولوجية عميقة، ويواجه في الوقت ذاته تداعيات الحروب والاستقطاب وتحديات العالم الرقمي.

وتتضمن أجندة الزيارة أيضًا لقاءين بعيدًا عن الأضواء الرسمية: الأول مع مهاجرين ولاجئين، والثاني في لورد مع ضحايا الاعتداءات الجنسية داخل الكنيسة؛ وهما لقاءان تنظر إليهما الرئاسة الفرنسية بوصفهما جزءًا من الحوار المستمر والبناء مع الفاتيكان حول القضايا الإنسانية والكرامة البشرية.

وفي اليوم التالي، السبت 26 سبتمبر، وبعد جولة في أنشطة اجتماعية ودينية أخرى في العاصمة، يترأس البابا عصرًا الحدث الأكبر والمرتقب في زيارته، وهو القداس في الهواء الطلق، الذي يقام في ساحة الكونكورد، حيث تتوسطها المسلة المصرية، مع امتداد المنطقة المخصصة للجمهور إلى جادة الشانزليزيه والمناطق والشوارع المحيطة بقلب باريس.

ويُعد هذا القداس أحد أكبر التجمعات الجماهيرية المرتقبة خلال الزيارة، بعدما بلغ عدد المسجلين للحضور نحو 600 ألف شخص عند إغلاق التسجيل في 16 سبتمبر، وفقًا لأبرشية باريس. ونظرًا للإقبال الكبير، أعلنت الأبرشية توسيع المنطقة المخصصة للجمهور لتشمل ساحة النجمة وشارع لا جراند أرميه، إلى جانب المساحة الممتدة حول ساحة الكونكورد وجادة الشانزليزيه، بما يسمح باستيعاب الأعداد الكبيرة من المشاركين.

وعقب القداس، يغادر البابا باريس متوجهًا إلى مدينة لورد، حيث يزور مغارة الظهورات في مزار سيدة لورد، قبل أن يواصل برنامجه في اليوم التالي بلقاء الأساقفة الفرنسيين، والاحتفال بالقداس في باحة المزار، ولقاءات أخرى مع العاملين والمرضى والراهبات.

وينتقل البابا في آخر أيام زيارته، 28 سبتمبر، إلى مدينة متز، حيث يشارك في حوار بين الأديان، ثم في لقاء بعنوان «إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة»، قبل أن يترأس قداسًا في كاتدرائية سانت إتيان، في ختام زيارته لفرنسا.

وذكرت الرئاسة الفرنسية أن رئيس الجمهورية والسيدة بريجيت ماكرون سيتوجهان إلى مدينة متز، يوم الاثنين، للمشاركة في لقاء «إلى جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة»، في مركز المؤتمرات، بحضور قداسة البابا، إلى جانب عدد من رؤساء الدول والحكومات الأوروبيين.

وتجري زيارة بابا الفاتيكان إلى فرنسا في ظل إجراءات أمنية مشددة، بالنظر إلى حجم التجمعات الجماهيرية المنتظرة وتعدد المحطات التي تشملها الرحلة البابوية؛ إذ أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أن نحو مليون شخص يُتوقع حضورهم في باريس، سواء للمشاركة في القداس في الهواء الطلق أو لتحية البابا خلال تنقلاته في الشوارع، فيما سيُعبّأ نحو 15 ألف عنصر من قوات الأمن والشرطة والدرك والقوات المتنقلة وعناصر عملية «سانتينيل» (دوريات الجيش)؛ لتأمين الفعاليات في العاصمة. كما سيشارك نحو 2500 من رجال الإطفاء في باريس في تأمين الفعاليات والتدخلات الطارئة.

وفي مدينة لورد، سيجري نشر أكثر من 3 آلاف عنصر من قوات الأمن، إلى جانب أكثر من 1100 من أفراد الدرك، فيما ستشهد مدينة متز تعبئة آلاف من عناصر الشرطة والدرك لتأمين مسار البابا والتجمعات المقررة في المدينة.

ولا تقتصر الإجراءات الأمنية على الأرض، إذ أعلنت وزارة الجيوش الفرنسية نشر منظومة خاصة للأمن الجوي طوال فترة الزيارة، تشمل وسائل للمراقبة والدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيرة، إلى جانب طائرات «رافال» ومروحيات «فينيك» وعلى متنها رماة، ووسائل للكشف والاستطلاع وأنظمة للدفاع أرض-جو، بهدف تعزيز الإجراءات التي تنفذها قوات الأمن الداخلي، وتأمين المجال الجوي فوق المدن الثلاث باريس ولورد ومتز، ورصد أي طائرات أو طائرات مسيرة يمكن أن تشكل خطرًا على الشخصيات أو الجمهور أو تعرقل الفعاليات.

وتتحمل الدولة الفرنسية جانبًا رئيسيًا من تكاليف الزيارة في إطار مهامها السيادية؛ ولا سيما تأمين التجمعات والشخصيات، وتعبئة عناصر الشرطة والدرك، وقوات عملية «سانتينيل»، فضلًا عن التغطية الجوية والطبية وإدارة المرور والنظافة العامة. وفي المقابل، يظل تمويل الشعائر الدينية ذاتها منفصلًا تمامًا عن المال العام، التزامًا بمبدأ العلمانية وقانون 1905 القاضي بفصل الكنائس عن الدولة.

وتحظى الزيارة باهتمام بالغ، على المستويين الرسمي والشعبي، مع إدراك الرأي العام الفرنسي للحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار للحوار والدبلوماسية والعمل المشترك، والتمسك بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، في وقت تتواصل فيه صراعات تتجاوز تداعياتها حدود مناطقها الجغرافية وتلقي بظلالها على ملايين البشر، وسط تراجع متزايد في الثقة بالعمل متعدد الأطراف.

وهنا تبرز «دبلوماسية المحبة» التي يحملها بابا الفاتيكان إلى فرنسا، كصوت حكمة يدعو إلى الحوار والتعاون الدولي، وبناء الجسور بدلًا من تعميق الانقسامات والاستسلام لمنطق القوة، في لحظة يفتش فيها العالم عن مخرج لأزماته الجيوسياسية. إنها دبلوماسية ناعمة ذات بعد أخلاقي، تدعو إلى حماية مصير البشرية في مواجهة الحروب ومنطق القوة، وإلى صون مستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي، بما يجعل الإنسان وقيمه في قلب التحولات التي يشهدها العالم.

ومع جرس الإنذار الذي قرعه الرئيس الفرنسي في آخر خطاب له من على منبر الأمم المتحدة، محذرًا من «قانون الغاب» وانتهاك الشرعية الدولية، تكتسب «دبلوماسية المحبة» بُعدًا يتجاوز حدود الكنيسة والدين، لتلتقي الدعوة إلى الحوار واحترام الشرعية الدولية مع ضرورة أن يظل التقدم التكنولوجي في خدمة الإنسان لا العكس، ولتضع في صلب المسؤولية المشتركة عن مستقبل البشرية حماية الإنسان وصون كرامته، باعتبارها أساسًا للسلام والأمن في عالم تتجاوز تحدياته الحدود والجغرافيا.