بعد أكثر من خمسة عقود على حرب أكتوبر 1973، روى ضابط الاستخبارات الإسرائيلي المتقاعد يهودا شيفر تفاصيل لحظات الرعب التي عاشها فوق قناة السويس، عندما تحولت مهمة استطلاع كلفه بها رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك دافيد إليعازر إلى معركة للبقاء، بعدما أصاب صاروخ أرض-جو مصري طائرته وأسقطها، بينما وجد نفسه مضطرًا للقفز من ارتفاع شاهق والنجاة بالمظلة.
وتكشف رواية شيفر، التي أعاد سردها أمام ضباط استخبارات إسرائيليين ونشرها الجيش الإسرائيلي في سبتمبر 2026، عن حجم الخطر الذي واجهته الطائرات الإسرائيلية أثناء التحليق فوق منطقة قناة السويس، وعن الخوف الذي انتابه من الوقوع في الأسر المصري بعد سقوطه خلف خطوط القتال.
«الاستخبارات انهارت».. إليعازر يرسل شافير إلى السماء
كانت حرب أكتوبر قد دخلت أيامها الأولى، فيما كانت القيادة الإسرائيلية تحاول تكوين صورة دقيقة عن تحركات القوات المصرية بعد عبور قناة السويس.
وبحسب رواية شيفر، استُدعي إلى القيادة خلال الأيام الأولى للحرب، حيث كلفه رئيس الأركان دافيد إليعازر بتنفيذ مهمة استطلاع جوي فوق منطقة القناة، للحصول على معلومات مباشرة عن تحركات القوات المصرية، ولا سيما القوات المدرعة.

كان الهدف هو معرفة ما يحدث خلف خطوط القتال، وحجم القوات التي عبرت القناة واتجاه تحركاتها.
ومنذ اليوم الثالث للحرب، بدأ شيفر الصعود من قاعدة حتسريم على متن طائرة «سكاي هوك ثنائية المقعد، وتنفيذ طلعة أو طلعتين يوميًا، ثم نقل المعلومات التي يجمعها إلى رئيس الأركان أو نائبه.

13 أكتوبر.. المهمة التي تحولت إلى كابوس
استمرت طلعات شيفر عدة أيام، حتى جاء صباح 13 أكتوبر 1973.
كانت الطائرة تحلق على ارتفاع يقارب 30 ألف قدم فوق منطقة قناة السويس، بينما كان شافير يؤدي مهمته كمستطلع جوي ويراقب تحركات القوات المصرية.
وخلال الطلعة، بدأت الطائرة في الالتفاف لمراقبة قوة مدرعة شوهدت وهي تتحرك بالقرب من القناة.
وفجأة، ظهرت الصواريخ.
بحسب رواية شيفر، مر صاروخان من جانبي الطائرة، قبل أن يصيبها الصاروخ الثالث، وهو صاروخ أرض-جو مصري.
في لحظات، تعرضت الطائرة لضربة عنيفة أعقبها انفجار، ودخلت في حالة دوران، بينما تعطلت أنظمتها وانقطع الاتصال.
وأصبحت الطائرة المشتعلة تهوي باتجاه الأرض.
وتوثق الرواية التاريخية للحادث أن الطائرة كانت من طراز TA-4 «سكاي هوك»، وأنها أُصيبت بصاروخ أرض-جو مصري في 13 أكتوبر، فيما قُتل الطيار راني عوفري ونجا شفير.
مع فقدان الطائرة السيطرة، أدرك شافير أن البقاء داخلها يعني الموت.
وعلى ارتفاع يقارب 25 ألف قدم، سحب مقبض القذف، ليخرج هو والطيار من الطائرة.
ووصف شيفر لحظة خروجه بأنها كانت أشبه بأنه «يُقذف بركلة» من الطائرة إلى الخارج.
وفجأة وجد نفسه في الهواء، بعيدًا عن الطائرة، في سقوط حر من ارتفاع شاهق.
وقال في شهادته إن الانتقال من المقصورة المضغوطة إلى الهواء الخارجي كان صادمًا؛ شعر بالبرد الشديد، وبدت السماء من حوله مظلمة، بينما كانت الطائرة المحترقة تهوي في الأسفل.

وتوثق الرواية التاريخية أن شيفر بدأ السقوط الحر بعد خروجه من الطائرة، قبل أن يتمكن من فتح مظلته والبدء في الهبوط.
الخطر لم ينتهِ.. من الصاروخ إلى الخوف من الأسر
نجا شيفر من السقوط، لكنه وجد نفسه بعد الهبوط في منطقة صحراوية خلف خطوط القتال.
وهنا بدأ فصل آخر من الخوف.
فبعد أن نجا من الصاروخ المصري ومن سقوط الطائرة، أصبح شيفر يخشى أن تعثر عليه القوات المصرية.
كان يعلم أنه أصبح بمفرده في منطقة القتال، ومصابًا، ولا يعرف من يمكن أن يصل إليه أولًا.
حاول تحديد اتجاهه والتحرك بعيدًا عن موقع سقوط الطائرة، مستخدمًا ما لديه من مؤشرات لمعرفة الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه.
لكن خلال تحركه، سمع أصواتًا تقترب منه.
وهنا، وفق روايته، اعتقد أن القوات المصرية وصلت إليه وأنه على وشك الوقوع في الأسر.
كانت لحظة أخرى من الرعب بالنسبة إلى شيفر، الذي كان قد نجا قبل دقائق فقط من تحطم طائرته.
لكن المفاجأة كانت أن من وصلوا إليه كانوا، بحسب الرواية الإسرائيلية، قوات إسرائيلية، وليس جنودًا مصريين.

الطيار لم ينجُ
بينما تمكن شيفر من النجاة، لم تكن النهاية نفسها بالنسبة إلى الطيار الذي كان برفقته.
فقد قُتل راني عوفري في الحادث، بينما نجا شافير بعد عملية القذف والهبوط بالمظلة.
وتؤكد سجلات خسائر الطائرات الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر أن طائرة TA-4 أُسقطت في 13 أكتوبر بصاروخ مصري، وأن عوفري قُتل أثناء عملية القذف، بينما جرى إنقاذ شفير.
مهمة استطلاع يومية تحت نيران الدفاع الجوي المصري
لم تكن رحلة شيفر الأخيرة حادثًا منفصلًا عن طبيعة المهمة التي كُلف بها.
فوفق الرواية الإسرائيلية، كان يصعد يوميًا إلى طائرة الاستطلاع لرصد تحركات القوات المصرية، في مهمة استمرت قرابة أسبوع قبل أن تُصاب طائرته.
وكانت الطلعات تجري فوق منطقة شديدة الخطورة، حيث كانت الطائرات الإسرائيلية معرضة لنيران الدفاع الجوي المصري.
وتظهر سجلات خسائر الطائرات الإسرائيلية في حرب أكتوبر أن عددًا من طائرات «سكاي هوك» أُسقطت خلال الحرب بنيران مصرية، بما في ذلك صواريخ أرض-جو ومدفعية مضادة للطائرات.

شيفر بعد أكثر من 50 عامًا.. «الشك» درس الحرب
بعد مرور أكثر من نصف قرن، عاد شيفر إلى هذه التجربة أمام ضباط الاستخبارات الإسرائيليين، مستعيدًا تفاصيل المهمة التي كلفه بها إليعازر والخطر الذي واجهه فوق قناة السويس.
وتحمل شهادته أيضًا رسالة استخباراتية أوسع، إذ تحدث عن ثغرات الجيش الإسرائيلي و ضرورة عدم التعامل مع التقديرات باعتبارها حقائق نهائية، وأهمية طرح الأسئلة والتشكيك في الفرضيات القائمة.
لكن الجزء الاكثر إثارة في رواية شيفر، هو شعور لحظات الرعب في سماء جبهة قناة السويس خلال حرب أكتوبر؛ فمنذ لحظة إصابة طائرته بالصاروخ المصري وحتى سقوطه في الصحراء، ظل شبح القوات المصرية حاضرًا في ذهنه، لان الارض لم تكن ارضه، بعدما تحوّل خوفه الأكبر من الموت في الجو إلى الخوف من أن يقع في الأسر.
وبين الصواريخ التي طاردت طائرته والظلام الذي أحاط به بعد القفز، تكشف روايته جانبا من حالة القلق التي عاشها أفراد الجيش الإسرائيلي في مواجهة القوات المصرية خلال حرب أكتوبر المجيدة.



