أعلنت وزارة الأوقاف نشر نص خطبة الجمعة المقررة غدًا 2 أكتوبر 2026م، الموافق 20 ربيع الآخر 1448هـ، بعنوان «ولقد كرمنا بني آدم»، وذلك عبر منصتها الرقمية، إلى جانب المقالات التابعة للخطبة.
وتستهدف خطبة الجمعة توعية جمهور المساجد بأهمية حفظ الأوطان وصيانة أمنها، وبيان أن من مقتضيات تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان أن يدرك مسؤوليته تجاه وطنه، ويحافظ على أمنه واستقراره ومقدراته، مع التأكيد على ضرورة نبذ الشائعات والتحقق من الأخبار قبل تداولها.
وتتناول الخطبة التأكيد على أن حب الوطن فطرة سليمة وغريزة إنسانية أصيلة، وأن ارتباط الإنسان بوطنه وشعوره بالمسؤولية تجاهه من القيم التي تسهم في بناء المجتمعات والحفاظ على استقرارها، بما يدفع إلى العمل من أجل رفعة الوطن والنهوض به.
كما تسلط الخطبة الضوء على مكانة مصر وفضلها وما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية من إشارات إلى مكانتها، بما يعزز الوعي بقيمة الوطن وضرورة الحفاظ عليه، وترسيخ مشاعر الانتماء والمسؤولية تجاهه.
وتوضح خطبة الجمعة أن استقرار الأوطان يمثل مقصدًا شرعيًا يرتبط بحفظ الضروريات الخمس، لما يمثله الأمن والاستقرار من أساس لحماية الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وتمكين المجتمع من مواصلة مسيرة البناء والتنمية في بيئة آمنة ومستقرة.
وتحذر الخطبة من خطورة الشائعات وما يمكن أن يترتب على انتشارها من أضرار تمس أمن المجتمع واستقراره، مشددة على ضرورة التثبت من الأخبار والمعلومات قبل نقلها أو تداولها، وحفظ الكلمة وعدم المشاركة في نشر ما لا يستند إلى مصادر موثوقة.
كما تتناول الخطبة أهمية الوعي بالتحديات التي تواجه الأوطان والمجتمعات، والتعامل معها بروح من الأمل والعمل الرشيد، بعيدًا عن اليأس أو الانسياق وراء الأخبار المضللة، مع التأكيد على أن مواجهة التحديات تتطلب وعيًا حقيقيًا، وعملًا جادًا، وتحملًا للمسؤولية.
وتؤكد وزارة الأوقاف من خلال موضوع الخطبة أهمية المسؤولية الفردية والجماعية في بناء الوطن والنهوض به، باعتبار أن الحفاظ على الوطن وأمنه ومقدراته مسؤولية يشترك فيها جميع أفراده، كل في موقعه، من خلال الالتزام بالقيم والقوانين، وإتقان العمل، والحفاظ على الممتلكات والمقدرات العامة، والإسهام في تحقيق المصلحة العامة.
وتدعو الخطبة إلى ترسيخ الوعي بأن حماية الوطن لا تقتصر على مواجهة المخاطر المباشرة، وإنما تشمل أيضًا الحفاظ على مقدراته، وصيانة موارده، وعدم الإضرار بمصالحه، والتعامل مع الأزمات والتحديات بعقلانية ومسؤولية، بما يعزز أمن المجتمع واستقراره.
وتأتي هذه المحاور في إطار التأكيد على أن تكريم الله للإنسان يحمّله مسؤولية أخلاقية تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه، وأن الحفاظ على الأمن والاستقرار، وصيانة المقدرات، وحسن استخدام الكلمة، ومواجهة الشائعات، والعمل الجاد من أجل البناء والنهوض، كلها قيم تسهم في حماية الوطن وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات.
وأتاحت وزارة الأوقاف نص خطبة الجمعة كاملًا
نص خطبة الجمعة
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي كرم بني آدم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل حفظ الكرامة الإنسانية أصلا جامعا لكل الرسالات، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أصفى الناس نفسا وأعظمهم خلقا وتوقيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:
١- اعلم أيها المكرم أن حب الوطن فطرة سليمة، وغريزة إنسانية أصيلة، أودعها الله في النفوس، وجعلها من دواعي الألفة والاجتماع، فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو موطن الذكريات، ومهد الآباء، ومأوى الأبناء، وفي رحابه تتشكل ملامح حياتنا، وتصان كرامتنا، وتستقر نفوسنا؛ ومن هنا كان حب الوطن متصلا بمعنى أعمق وأجل، هو تكريم الإنسان الذي جعله الله تعالى محور العمران وموضع التكليف والأمانة، فقال سبحانه: ﴿ولقدۡ كرمۡنا بنیۤ ءادم﴾، فهذا تكريم رباني أصيل، قرره الخالق سبحانه وتعالى للإنسان منذ أن خلقه، ومن مقتضى هذا التكريم أن يحفظ الإنسان وطنه، ويصون مقدراته، ويحترم حقوق أبنائه، وأن يجعل من حب وطنه عملا نافعا، ومن انتمائه إليه مسؤولية، ومن محافظته على أمنه واستقراره وفاء لنعمة الله عليه؛ فحين يعرف الإنسان قدره عند ربه، يعرف كذلك قدر الأرض التي احتضنته.
٢- اعلم أنك تعيش في وطن شرفه الله تعالى بذكره في كتابه العزيز، وخصه بمكانة ظاهرة في آياته، فقال سبحانه على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: ﴿ٱدۡخلوا۟ مصۡر إن شاۤء ٱلله ءامنین﴾، وخاطب كليمه موسى عليه السلام على هذه الأرض الطيبة المباركة، فقال جل شأنه: ﴿إنیۤ أنا۠ ربك فٱخۡلعۡ نعۡلیۡك إنك بٱلۡواد ٱلۡمقدس طوࣰى﴾، فهذه أرض شهد لها القرآن العظيم بذكر كريم، وعرفها التاريخ موطنا للحضارة والعلم والعمران، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بمصر وأهلها، فقال: «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا»؛ فاستشعر قدر وطنك، واحفظ نعمته، وأد حقه عليك بالعمل والإتقان، وصيانة أمنه واستقراره، وحفظ وحدته، فإن الأوطان لا يحفظها إلا أبناؤها، ولا تصان نعمتها إلا بالوفاء والمسؤولية.
٣- تيقن أنك حين تحافظ على وطنك، وتصون أمنه، وتحفظ استقراره، وتدفع عنه أسباب الفتن والاضطراب، فإنك بذلك تكون قد حققت مقصدا عظيما من مقاصد الشرع الشريف؛ فالشريعة جاءت لحفظ الضروريات التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، من دين ونفس وعقل ونسل ومال، ولا يمكن أن تصان هذه الضروريات وتحفظ مصالح الناس في وطن مضطرب، أو مجتمع تسوده الفوضى، أو بلد تنتهك فيه الحقوق وتستباح فيه الحرمات؛ فاستقرار الأوطان من أعظم أسباب استقامة حياة الناس، وأمنها سياج تحفظ في ظلاله الأنفس والأموال والأعراض، وتقام فيه الشعائر، وتطلب فيه العلوم، ويعمل الناس، ويربي الآباء أبناءهم، ويؤدي كل إنسان ما عليه من حقوق وواجبات، مستلهما ذلك من الدعاء الخالد لسيدنا إبراهيم عليه السلام: ﴿رب اجعل هذا البلد آمنا﴾.
٤- أيها المكرم، لا تكن معول هدم في وطنك بترديد الشائعات، ولا تكن لسانا يشعل الفتنة، أو جسرا تعبر عليه الأكاذيب إلى عقول الناس وقلوبهم؛ فإن الكلمة أمانة، وليس كل ما يسمع يقال، وما كل ما يتداول يصدق، وقد علمنا القرآن الكريم أن نتثبت قبل أن نتكلم، فقال سبحانه: ﴿یٰۤأیها ٱلذین ءامنوۤا۟ إن جاۤءكمۡ فاسقۢ بنبإࣲ فتبینوۤا۟ أن تصیبوا۟ قوۡمۢا بجهٰلةࣲ فتصۡبحوا۟ علىٰ ما فعلۡتمۡ نٰدمین﴾، وقال جل وعلا: ﴿إذۡ تلقوۡنهۥ بألۡسنتكمۡ وتقولون بأفۡواهكم ما لیۡس لكم بهۦ علۡمࣱ وتحۡسبونهۥ هینࣰا وهو عند ٱلله عظیمࣱ﴾؛ فاحذر أن تجعل من هاتفك منبرا لنشر ما لا تعلم حقيقته، أو من مجلسك ساحة لترويج ما يزعزع ثقة الناس في وطنهم ومؤسساته، وحسبك في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع».
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد: فيا عباد الله:
٥- أيها المكرم، إن فهم التحديات التي يمر بها مجتمعنا، وإدراك أسبابها وآثارها، والتعامل معها بعقل رشيد ونظر سديد، هو حجر الزاوية في بناء مستقبل أفضل؛ فالأمم لا تتجاوز أزماتها بالصخب والشائعات، ولا تعالج مشكلاتها بالتشاؤم وإلقاء اللوم، وإنما تتجاوزها بالوعي، والعلم، والعمل، وحسن التقدير، والتعاون على ما فيه خير البلاد والعباد، فكونوا على قدر المسؤولية، واجعلوا عقولكم جسورا إلى الحلول لا أبوابا للأزمات، ولتكن نظرتكم إلى مستقبل وطنكم قائمة على الأمل والعمل، لا على اليأس والتشكيك، فإن المستقبل لا يمنح للأمم، وإنما تصنعه العقول الواعية والسواعد المخلصة، قال جل شأنه: ﴿وقل ٱعۡملوا۟ فسیرى ٱلله عملكمۡ ورسولهۥ وٱلۡمؤۡمنونۖ﴾.
- إن وطنك أمانة في عنقك، ونعمة تستوجب الشكر، ومسؤولية تقتضي العمل، وإن أعظم الوفاء له أن تكون لبنة بناء، وأن تحفظ أمنه، وتصون مقدراته، وتحترم مؤسساته، وتحسن الظن، وتتثبت من الأخبار، فانظر إلى نفسك وأنت تمثل حلقة من حلقات مجد هذا الوطن إن أنت تحملت مسئوليتك تجاهه فكنت امتدادا لأهل الفضل والمجد ممن سبقك، لتسلم الراية لمن بعدك لمن يستحق أن يكون في شرف رفعة هذا الوطن، قال سبحانه وتعالى: ﴿وتعاونوا۟ على ٱلۡبر وٱلتقۡوىٰۖ ولا تعاونوا۟ على ٱلۡإثۡم وٱلۡعدۡوٰنۚ﴾، ألا فليبدأ كل واحد منا بنفسه، وليؤد أمانته، وليتقن عمله، وليحفظ وطنه، ولتتكاتف الأيدي والقلوب والعقول؛ حتى تبقى مصرنا وطنا آمنا عزيزا، شامخا بأبنائه، محفوظا بوحدته، ماضيا بعزمه نحو مستقبل يليق بتاريخه ومكانته.
اللهم احفظ وطننا الحبيب وسائر بلاد المسلمين، وأدم علينا نعمة الأمن والأمان والاستقرار.

