قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

مصر وأفريقيا.. شراكة اقتصادية تتحول من التجارة إلى الاستثمار وسلاسل الإنتاج في القارة

القارة الأفريقية ومصر
القارة الأفريقية ومصر

تمثل القارة الأفريقية أحد أهم المجالات الاقتصادية أمام مصر خلال السنوات المقبلة، ليس فقط باعتبارها سوقا يضم أكثر من مليار نسمة، وإنما أيضا بما تمتلكه من موارد طبيعية وأسواق متنامية وفرص واسعة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة والزراعة والتعدين والخدمات والتكنولوجيا.

وفي المقابل، تنظر مصر إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع دول القارة باعتباره مسارا لزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات وبناء شراكات إنتاجية عابرة للحدود، مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة الموانى والطرق والاتفاقيات التجارية التي تربطها بالأسواق الأفريقية والعالمية.

وتكشف أحدث المؤشرات عن استمرار تحسن أداء الاقتصاد الأفريقي رغم الضغوط العالمية.

ووفقا للبنك الأفريقي للتنمية، سجل اقتصاد القارة نموا حقيقيا يقدر بنحو 4.4% خلال 2025 مع تسجيل 22 اقتصادا أفريقيا معدلات نمو تجاوزت 5%، بينما يتوقع البنك نمو القارة بنحو 4.2% في 2026، قبل أن يرتفع إلى 4.4% في 2027.

وأشار البنك، إلى أن 12 اقتصادا أفريقيا جاءت ضمن أسرع 20 اقتصادا نموا في العالم خلال 2025.. لكن النمو الأفريقي لايزال يواجه تحديات هيكلية، أبرزها ارتفاع تكاليف التمويل، والدين العام، والتضخم، وضعف البنية التحتية في عدد من الدول، إلى جانب محدودية التصنيع والقيمة المضافة للموارد الطبيعية.

ويرى البنك الأفريقي للتنمية أن معدلات النمو الحالية لاتزال غير كافية وحدها لتحقيق خفض سريع ومستدام للفقر وتوفير الوظائف اللازمة للأعداد المتزايدة من الشباب الأفريقي.

وفي هذا السياق، تبرز التجارة البينية الأفريقية باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لتعزيز النمو.. وتوفر منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تضم غالبية دول القارة، إطارا لتوسيع الأسواق وخفض الحواجز أمام التجارة والاستثمار وبناء سلاسل قيمة إقليمية، وهو ما يفتح مجالا أمام الاقتصادات الأكثر تنوعا صناعيا، مثل مصر لزيادة حضورها في أسواق القارة.

وتشير أحدث البيانات المتاحة عن التجارة المصرية مع دول الاتحاد الأفريقي إلى أن حجم التبادل التجاري بلغ 9.9 مليار دولار خلال 2024 مقابل نحو 9.2 مليار دولار في 2023، بزيادة بلغت 7.6%. وارتفعت الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأفريقي إلى 7.8 مليار دولار مقابل 7.4 مليار دولار في العام السابق، بينما بلغت الواردات نحو 2.1 مليار دولار مقابل 1.8 مليار دولار.

وتكشف هذه الأرقام عن وجود فائض تجاري مصري واضح مع دول الاتحاد الأفريقي، إلا أن توزيع التجارة لايزال يتركز بدرجة كبيرة في عدد محدود من الأسواق.. واستحوذت خمس دول على نحو 69.1% من الصادرات المصرية إلى الاتحاد الأفريقي خلال 2024، وهي ليبيا والمغرب والجزائر والسودان وتونس. وبلغت صادرات مصر إلى ليبيا نحو ملياري دولار، وإلى المغرب 1.1 مليار دولار، وإلى الجزائر قرابة مليار دولار، بينما بلغت الصادرات إلى السودان نحو 884 مليون دولار، وإلى تونس 369 مليون دولار.

وتتنوع الصادرات المصرية إلى القارة بين منتجات صناعية وزراعية وغذائية وكيماوية، ومن أبرزها الأسمنت والملح بقيمة تقارب 700 مليون دولار خلال 2024، والبلاستيك ومصنوعاته بنحو 593 مليون دولار، ومنتجات الطحن، مثل الدقيق والنشا بنحو 410 ملايين دولار.

وفي المقابل، تتضمن الواردات المصرية من الدول الأفريقية النحاس ومصنوعاته بقيمة 742 مليون دولار، والبن والشاي والتوابل بنحو 287 مليون دولار، والوقود والزيوت المعدنية بنحو 204 ملايين دولار، إضافة إلى الحيوانات الحية.

وتعكس هذه التركيبة فرصة أمام مصر لتوسيع صادرات المنتجات ذات القيمة المضافة، وفي الوقت نفسه زيادة استيراد المواد الخام والمدخلات الإنتاجية من أفريقيا بما يساعد على بناء سلاسل إنتاج مشتركة بدلا من الاقتصار على تجارة السلع.

وتتحرك السياسة الاقتصادية المصرية تجاه أفريقيا تدريجيا من التركيز على تصدير المنتجات إلى محاولة بناء شراكات استثمارية وإنتاجية داخل القارة.. وتؤكد الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة أن مصر تستهدف تعميق التكامل الاقتصادي مع الدول الأفريقية من خلال الانتقال من مجرد التجارة إلى بناء شراكات إنتاجية وسلاسل إمداد متكاملة، مستفيدة من موقع مصر والبنية الأساسية وشبكات النقل والموانى والاتفاقيات التجارية.

وتشمل المجالات المطروحة للتعاون الغذاء والطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحية والسيارات والبنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب قطاعات التعدين والطاقة المتجددة.. كما أعلنت الهيئة عن توجه لإطلاق صندوق للاستثمار في أفريقيا بالتعاون بين وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية وصندوق مصر السيادي وبمشاركة القطاع الخاص، بهدف دعم الاستثمارات المشتركة.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية في ضوء حجم الفرص الاستثمارية بالقارة.. فوفقا للأونكتاد، جذبت أفريقيا نحو 70 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال 2025 بانخفاض عن المستوى الاستثنائي البالغ 94 مليار دولار في 2024، لكنه ظل ثالث أعلى مستوى منذ عام 1990، ونحو الثلث أعلى من المتوسط التاريخي للقارة.

كما تركزت الاستثمارات بصورة متزايدة في الطاقة والبنية التحتية والمعادن الحيوية والخدمات اللوجستية وبعض الصناعات التحويلية.. وفي هذا الإطار، جاءت مصر في مقدمة الدول الأفريقية المستقبلة للاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، وفقا للأونكتاد، بنحو 15 مليار دولار، بينما ساهمت الاستثمارات الضخمة في مصر في دعم مكانة شمال أفريقيا كأكبر منطقة أفريقية مستقبلة للاستثمارات.

فرص جديدة في الطاقة والمعادن والتصنيع

تمتلك أفريقيا احتياطيات كبيرة من النحاس والكوبالت والليثيوم والمنجنيز والجرافيت ومعادن مجموعة البلاتين والعناصر الأرضية النادرة، وهي موارد تكتسب أهمية متزايدة مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والتكنولوجيات الحديثة.

ويرى الأونكتاد أن التحدي بالنسبة للدول الأفريقية لا يتمثل فقط في جذب الاستثمارات لاستخراج هذه الموارد، وإنما في زيادة القيمة المضافة محليا من خلال التصنيع والمعالجة وبناء سلاسل توريد إقليمية.

وهنا يمكن لمصر أن تلعب دورا يتجاوز كونها سوقا للمنتجات الأفريقية أو مصدرا للسلع المصرية، من خلال الربط بين الموارد الأفريقية والقدرات المصرية في التصنيع والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية، بما يسمح بإقامة مشروعات مشتركة تستفيد من السوق الأفريقية الكبيرة ومن اتفاقية التجارة الحرة القارية.

كما يمثل القطاع المالي عنصرا مهما في هذه المنظومة، خاصة مع وجود مؤسسات أفريقية متخصصة في تمويل التجارة والاستثمار، مثل بنك التجارة والتنمية الأفريقي (TDB) والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد "أفريكسيم بنك" والبنك الأفريقي للتنمية.. ويمكن لهذه المؤسسات توفير التمويل والضمانات اللازمة للشركات المصرية والأفريقية، خصوصا المشروعات التي تستهدف أكثر من سوق أفريقية.

البنية التحتية واللوجستيات

يمثل ارتفاع تكلفة النقل والخدمات اللوجستية أحد العوائق أمام زيادة التجارة البينية الأفريقية.. ولذلك، تعتمد زيادة التجارة المصرية مع القارة بدرجة كبيرة على تطوير خطوط النقل البحري والبري والجوي والمراكز اللوجستية، إلى جانب تسهيل إجراءات التخليص والتمويل والتأمين.

وتشير الاستراتيجية المصرية لتنمية الصادرات إلى أفريقيا إلى استهداف رفع الصادرات المصرية للقارة إلى 10 مليارات دولار، مع الاعتماد على اتفاقية التجارة الحرة القارية، وتحسين البنية اللوجستية وتسهيل حركة السلع.

وتملك مصر في هذا المجال ميزة مرتبطة بموقعها على البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس، إلى جانب شبكة الموانى والطرق والمناطق الصناعية، بما يمكن أن يدعم دورها كمركز لإعادة التصدير والتصنيع والتوزيع بين الأسواق الأفريقية والأسواق الأوروبية والآسيوية.

التحدي الأساسي

رغم الإمكانات الكبيرة، فإن رفع مستوى العلاقات الاقتصادية المصرية الأفريقية يتطلب معالجة عدد من التحديات، في مقدمتها ضعف المعرفة بالأسواق والقواعد التنظيمية المختلفة، وتكاليف النقل والتمويل، ومخاطر العملات، واختلاف المعايير والمواصفات، إضافة إلى التفاوت الكبير بين الاقتصادات الأفريقية.

وتشير بيانات الاستثمار إلى أن التدفقات إلى القارة مازالت مركزة في عدد محدود من الدول والقطاعات، وهو ما يعني أن جذب الاستثمارات وحده لا يكفي لتحقيق تحول اقتصادي واسع.. ويؤكد الأونكتاد أهمية ربط الاستثمار بالتنويع الصناعي ونقل التكنولوجيا وخلق الوظائف وتطوير الموردين المحليين.

وبالنسبة لمصر، فإن الفرصة الرئيسية تتمثل في الانتقال من نموذج يقوم أساسا على زيادة الصادرات إلى نموذج أكثر تكاملا، يجمع بين التجارة والاستثمار والتمويل والتصنيع والنقل والخدمات اللوجستية. ومن شأن هذا النموذج أن يتيح للشركات المصرية الوصول إلى أسواق جديدة، وفي الوقت نفسه يربط الموارد والقدرات الإنتاجية الأفريقية بسلاسل قيمة تمتد إلى مصر والأسواق العالمية.

وبذلك، تبدو العلاقة الاقتصادية بين مصر وأفريقيا أمام مرحلة يمكن أن تتجاوز مفهوم السوق التصديرية إلى شراكة إنتاجية واستثمارية أوسع، خاصة مع استمرار نمو الاقتصاد الأفريقي، وتوسع منطقة التجارة الحرة القارية، وتصاعد الطلب العالمي على الطاقة والمعادن والسلع والخدمات، وهي عوامل تجعل القارة خلال السنوات المقبلة واحدة من أهم ساحات الاستثمار والتجارة الدولية.