قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بمناسبة انتصارات 6 أكتوبر.. الأوقاف: "وأعدوا" موضوع خطبة الجمعة القادمة

وزارة الأوقاف
وزارة الأوقاف

أعلنت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة الموافق ٢٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ / ٩ أكتوبر ٢٠٢٦م بعنوان: «وأعدوا»، وذلك ضمن الإصدار الخامس والسبعون من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء».

وأوضحت الأوقاف في بيانها أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة القادمة هو بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، التوعية بأمر الإسلام بإعداد العدة، أخذًا بأسباب القوة.

موضوع خطبة الجمعة

 

ونعرض إليكم في السطور التالية موضوع خطبة الجمعة.

مفهوم القوة في القرآن الكريم

يأتي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: ٦٠] في سياقٍ يؤسس لمبدأ الإعداد، وقد جاء لفظ ﴿قُوَّةࣲ﴾ نكرةً في سياق الأمر؛ بما يدل على سعة مدلولها وتنوع صورها بحسب ما تحتاج إليه الأمة، قال الزمخشري: "مِنْ قُوَّةٍ: من كل ما يتقوّى به في الحرب من عُددها" [تفسير الكشاف]، وجاء قوله: ﴿مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم﴾  ليجعل الإعداد مرتبطًا بالقدرة والإمكان، ومتجددًا بتجدد الأحوال والوسائل.

وقد فسّر النبي -صلى الله عليه وسلم- القوة في أبرز صورها فقال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ثلاثًا [رواه مسلم]، فدلّ على أهمية إتقان وسائل الدفاع في كل عصر، دون أن ينحصر مفهوم القوة فيها، ويؤكد سعة المعنى قوله -صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» [رواه مسلم]، وقد حمل العلماء القوة فيه على معانٍ متعددة، منها قوة العزيمة والهمة والقدرة على العمل.

ويؤيد ذلك قوله تعالى في وصف من تتوافر فيه مقومات الكفاءة: ﴿إِنَّ خَیۡرَ مَنِ ٱسۡتَءۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِیُّ ٱلۡأَمِینُ﴾ [القصص: ٢٦]، فجمع بين القوة والكفاءة من جهة، والأمانة والقيمة الأخلاقية من جهة أخرى؛ لتكتمل صلاحية الإنسان لحمل المسؤولية.

ومن هنا قرر عدد من المفسرين أن صور القوة تتنوع بتنوع الأزمنة، فتدخل فيها وسائل الدفاع، والعلم، والصناعة، والاقتصاد، وسائر أسباب المنعة، وهو ما ينسجم مع التجربة الحضارية الإسلامية التي قامت على تكامل عناصر متعددة، لا على سبب واحد؛ فالقوة منظومة تتساند فيها القدرة والمعرفة والأخلاق وحسن التدبير، ويكون معيارها الأهم قدرتها على حفظ المصالح وصيانة المجتمع وتحقيق العمران، قال الشيخ أحمد المراغي: "ويدخل فى هذا كل ما ولّده العلم فى هذا العصر من وسائل الدفاع من طائرات وقاذفات للقنابل ودبابات ومدافع رشاشة وبنادق وأساطيل بحرية ونحو ذلك مما صار ضروريا من آلات الحروب الحديثة، وصار مَن فقدها يشبه أن يكون أعزل من السلاح وإن كان مدجَّجا به، ويلزم هذا أن يكونوا عالمين بفنون الحرب والخطط العسكرية بارعين فى العلوم الطبيعية والرياضية، فكل ذلك واجب على المسلمين فى هذا العصر، لأن الاستعداد لا يتم إلا به" [تفسير المراغي].

وقال ابن عاشور: "والقوة كمال صلاحية الأعضاء لعملها ... وتطلق القوة مجازًا على شدَّة تأثير شيء ذي أثر، وتطلق - أيضًا - على سبب شدَّة التأثير، فقوَّة الجيش: شدة وقعه على العدو، وقوته - أيضًا: سلاحه وعتاده، وهو المرادُ هنا، فهو مجازٌ مرسَل بواسطتين، فاتخاذ السُّيوفِ والرِّماح والأقواس والنِّبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتِّخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا" [التحرير والتنوير].

وقال الشيخ محمد أبو زهرة: "هذا أمرٌ تكليفيٌّ وهو فرض كفاية على الأمة الإسلامية يجِب على الأمَّة كلها أن تتعاون في إعداد هذه القوة، بالدربة، والتعليم والرمي، وكل ما يربي الجندَ القوي؛ فلا بد من التربية على الجندية، وإعداد عدة القتال، وذلك بالمستطاع بل بأقصى ما يستطاع، ومن هنا بيانية في قوله: ﴿مِّن قُوَّةࣲ﴾، وهي تدل على عموم القوى، فأعدوا كل ما يمكن أن يكون قوة في الحرب من دربة على الرمي بالسهام،.. ومن القوة الحصون، ومن القوة المنجنيق، وهكذا كل ما يكون سببًا للقوة،... فكل قوة مستطاعة يجب على الأمة أن تتضافر على إيجادها، وإلا أثمت كلها، ولم ينج من الإثم فقيرها وغنيها ولا قويها أو ضعيفها، فالقادر بقدرته، والضعيف بلسانه" [زهرة التفاسير].

 القوة البشرية وبناء الإنسان

إذا كانت القوة في مفهومها الواسع لا تقوم إلا بمن يحملها ويوجهها، فإن الإنسان هو أصل كل قوة وميدانها الأول؛ ولذلك لم يكن بناء الإنسان في المنهج الإسلامي أمرًا هامشيًّا، بل ارتبط برسالته في الأرض واستخلافه فيها، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتعمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، أي طلب منكم عمارتها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، فصلاح الإنسان لحمل المسؤولية يقوم على الكفاءة والأمانة معًا، وقال يوسف عليه السلام: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، فجمع بين القدرة على الأداء وحسن القيام بالأمانة.

وقد نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس باعتبار ما يملكونه من طاقات ومواهب قابلة للنماء، فقال: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسلَامِ إِذَا فقهوا» [متفق عليه]، وكان -صلى الله عليه وسلم- يكتشف مواهبَ أصحابه، ويضع كلًّا منهم في الموضع الذي يحسن القيام به؛ مثلما استفاد من زيد بن ثابت في تعلم لغات يحتاج إليها المسلمون في شؤونهم ومكاتباتهم.

ولم يكن بناء الإنسان عند المسلمين في مجال العلم والتنظير فحسب، وإنما اقترن بالعمل والإنتاج والاستقلال؛ قال -صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يَأخُذَ أَحَدُكُم حَبلَهُ، فيَحتَطِبَ عَلَى ظَهرِه خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ» [رواه البخاري]، وقال: «ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» [رواه البخاري]؛ فالقوة البشرية طاقاتٌ مؤهلة، وعقولٌ متعلمة، وأيدٍ عاملة، ونفوسٌ مسؤولة.

 قوة العلم والمعرفة والإبداع

إذا كان الإنسان هو حامل القوة ووسيلتها، فإنَّ العلم هو الذي يمنح هذه القوة بصيرتها وقدرتها على صناعة الحلول؛ ولذلك جاء الأمر بالعلم في القرآن مقرونًا بالجد والاجتهاد، قال تعالى: ﴿يَـيَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، وقد فسَّرها المفسِّرون بالجدِّ في الأخذ به، والعزم على القيام بحقه؛ فالمعرفة في التصور الإسلامي ليست ترفًا فكريًّا، وإنما مسؤولية تقتضي التحصيل والعمل والإتقان.

وقد جعل القرآن القراءة والعلم من مفاتيح النهضة، فكان أول خطاب للوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وقال: ﴿يَرفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، فالعلم رفعة للفرد، وسبب لقوة المجتمع، وأداة لاكتشاف ما أودع الله في الكون من سنن وطاقات.

وجاءت السنة لتجعل طلب العلم طريقًا إلى الخير، فقال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» [رواه مسلم].

ولم تقف عناية المسلمين عند تحصيل المعرفة، بل امتدت إلى إنتاجها وتطويرها؛ فبرَز الخوارزمي في الرياضيات، وابن الهيثم في البصريات والمنهج التجريبي، وجابر بن حيان في الكيمياء، وغيرهم ممن أسهموا في تراكم المعرفة الإنسانية، ومن هنا فالمطلوب ليس أن تكون الأمة مستهلكة لما ينتجه الآخرون، بل يجب عليها الاجتهاد والإضافة والابتكار.

 القوة الاقتصادية واستثمار الموارد

جانب من قوة المجتمع ما يملكه من ثروات، وإنما تكتمل هذه القوة بحسن إدارتها وتنميتها وتحويلها إلى إنتاج نافع؛ فالمال في المنظور الإسلامي وسيلة لقوام الحياة، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. فالإسلام لا يدعو إلى تعطيل الموارد، بل إلى السعي والعمل وحسن الانتفاع بما أودع الله في الأرض، مع النهي عن الإسراف والتبذير.

وتُقدم قصة يوسف عليه السلام نموذجًا بليغًا في التخطيط الاقتصادي وحسن إدارة الموارد، حين وضع خطة لمواجهة سنوات القحط: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧]؛ فالقوَّة الاقتصادية تبدأ من استشراف المستقبل، وحسن التدبير في أوقات الرخاء، والاستعداد لأوقات الشدة.

وفي السنة النبوية إشادة بالعمل والإنتاج واستثمار الموارد؛ قال -صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها» [رواه أحمد]، وقال -صلى الله عليه وسلم: «اليدُ العُلْيا خيرٌ مِنَ اليدِ السُّفْلى» [متفق عليه]، وفي سيرة الصحابة صور عملية لذلك؛ فقد قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بعد الهجرة: "دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ" [رواه البخاري]، واختار طريق العمل والكسب.

إن استثمار الأرض، وتنمية الصناعة والزراعة، وترشيد الاستهلاك، وحماية الموارد، وتشجيع المشروعات والإنتاج المحلي، كلها صور من الإعداد الذي يحول الموارد من إمكانات كامنة إلى قوة حقيقية.

 القوة الأخلاقية وبناء الثقة والتماسك

إذا كانت الموارد تصنع جانبًا من قدرة المجتمع، فإن الأخلاق هي التي تضبط هذه القدرة وتبني الثقة بين أفراده ومؤسساته؛ ولذلك كانت الأخلاق في الرسالة النبوية أصلًا من أصول الإصلاح، قال -صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق» [رواه أحمد]، وقال: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا» [رواه أبو داود]، وقال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن» [رواه الترمذي]، فالأمانة والصدق والعدل والوفاء مقومات لاستقرار المجتمع وازدهاره.

وقد جسّد النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه المعاني قبل البعثة حتى عُرف بين قومه بالأمين، ثم ظهرت آثارها في دعوته ومعاملاته؛ فعندما وصف جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - الإسلام أمام النجاشي ذكر الصدق والأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، وفي حديث هرقل مع أبي سفيان جاء السؤال عن أخلاق النبي ﷺ وأوامره، ومنها الصدق والعفاف والصلة [رواه البخاري]، فكان السلوك الأخلاقي جزءًا من القوة التي تحمل الرسالة وتقنع الناس بها.

وتتسع القوة الأخلاقية لتشمل احترام الإنسان، والتعايش، والعدل، وحفظ الحقوق؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]، وعليه فإن المجتمع الذي تسود فيه الثقة والصدق والعدل واحترام الحقوق يكون أقدر على التعاون، وأقل عرضة للنزاع وإهدار الطاقات، فالأخلاق عنصر من عناصر القوة ذاتها؛ لأنها تمنح المجتمع الثقة التي تجمع طاقاته وتوجهها نحو البناء.

 القوة العسكرية وحماية الوطن

تأتي القوة العسكرية في منظومة القوة لحماية الوطن وأمنه وسلامة أهله ومقدراته، وهي في التصور الإسلامي قوةٌ منضبطة بالعدل، لا وسيلة للعدوان؛ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُم وَلَا تَعتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ المُعتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجنَح لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، فالمقصود من القوة حماية الأمن ورد العدوان وصيانة السلم.

وقد جعل القرآن الأمن من أعظم النعم، فقال سبحانه: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، ودعا إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، وجاءت السنة مؤكدة عظم نعمة الأمن وحماية الإنسان؛ فقال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [رواه أبو داود]، وقال -صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنيا» [رواه الترمذي].

ومن المهم في هذا السياق التمييز بين الإعداد المشروع للقوة وبين العدوان؛ فالقوة التي تحمي الحدود، وتصون الأرواح، وتحفظ مقدرات الوطن، وترد الاعتداء، إنما تؤدي وظيفة حفظ الأمن والاستقرار.

 القوة في مواجهة الأزمات والتحديات

تتجلى قيمة القوة حين تنزل الأزمات وتشتد التحديات؛ فالقوة في هذه اللحظات هي القدرة على حسن التقدير، وسرعة الاستجابة، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى حلول نافعة، مع الثبات وعدم الاستسلام لليأس، قال تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٧].

وجاءت السنة النبوية لتجمع بين الأخذ بالأسباب، والاستعانة بالله، وعدم الاستسلام للعجز؛ فقال -صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ» [رواه مسلم]، وفي قصة الأعرابي الذي ترك ناقته دون عقال قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ» [رواه الترمذي]، فالتوكل الصحيح لا يلغي التدبير، والإيمان بالقضاء لا يعني ترك الأسباب. وقال -صلى الله عليه وسلم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ» [رواه مسلم]؛ لأن المؤمن يتعامل مع الشدة بالصبر، ومع النعمة بالشكر، ويبحث في كل ظرف عن طريق العمل والإصلاح.

وقد قدمت السنة كذلك نموذجًا مبكِّرًا لإدارة الأزمات الصحية، في قوله -صلى الله عليه وسلم- في الطاعون: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» [متفق عليه]، بما يقرر مسؤولية المجتمع في الحد من انتشار الوباء، كما قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- مكانة الخبرة في شؤون الحياة بقوله في مسألة تأبير النخل: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ» [رواه مسلم]، وهو أصل في الاستفادة من أهل الاختصاص فيما يحتاج إلى معرفة وتجربة.

 تكامل أسباب القوة وبناء الحضارة

لا تُبنى الحضارات بعنصر واحد، ولا تستمر بقوة منفردة؛ فالعلم ينتج المعرفة، والاقتصاد يحولها إلى إنتاج، والأخلاق تضبط استخدامها، والمؤسسات تنظمها، والقوة تحمي منجزاتها. ولذلك قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ فالقوة الرشيدة تقوم على التوازن والتعاون، لا على تضخيم جانب وإهمال بقية الجوانب.

وقد عبّر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الحقيقة بقوله: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [متفق عليه]، وضرب -صلى الله عليه وسلم-مثلًا بليغًا في المسؤولية المشتركة فقال: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ...» [رواه البخاري]؛ فسلامة المجتمع لا تتحقق إذا قام كل قطاع بمعزل عن غيره، وإنما حين يدرك كل فرد ومؤسسة أن ما يصنعه يؤثر في البناء كله.

ويظهر هذا التكامل بوضوح في التجربة النبوية في المدينة؛ فلم يكن بناء المجتمع مشروعًا في جانب واحد، بل تكاملت فيه عناصر متعددة: فكان المسجد مركزًا للعبادة والتعليم والتوجيه، ونُظمت الحياة الاقتصادية، وقامت المؤاخاة على التماسك والتكافل، ونظمت صحيفة المدينة العلاقات بين مكونات المجتمع، وأُخذت أسباب الحماية والدفاع. فاجتمعت التربية والعلم، والاقتصاد والمجتمع، والتنظيم والأمن، في بناء واحد يخدم الإنسان ويحفظ استقرار المجتمع.

 مسؤولية الفرد في إعداد القوة

إذا كانت قوة الوطن مجموعَ ما يملِكُه من طاقات ومؤسَّسات وموارد، فإنَّ الفرد هو نقطة البداية في هذه المنظومة؛ فإعداد القوة مسؤولية تضامنية تبدأ من الإنسان في نفسه وعمله وسلوكه وعلاقته بمن حوله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]. فالتغيير الحضاري يبدأ من إصلاح الفرد وإتقانه لما بين يديه من مسؤوليات.

وقد حمّل النبي -صلى الله عليه وسلم- كل إنسان قدرًا من المسؤولية بحسب موقعه وقدرته، فقال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]، وقال -صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [رواه الترمذي]، فالعمر، والعلم، والمال، والصحة موارد يُسأل الإنسان عن كيفية استثمارها.

وتظهر مسؤولية الفرد كذلك في المحافظة على المصلحة العامة؛ فإماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، كما قال -صلى الله عليه وسلم: «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [رواه مسلم]، وحفظ المال العام أمانة لا يجوز التفريط فيها، قال -صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا» [رواه مسلم]، ويدخل في ذلك احترام المرافق العامة، وترشيد استهلاك الموارد، والالتزام بالنظام، وعدم الإضرار بالآخرين؛ فالقوة الوطنية قد تُهدر بسلوك فردي يبدو صغيرًا، كما تُبنى بأعمال يومية قد تبدو بسيطة في ظاهرها.

وقد كان السلف شديدي العناية بمراجعة النفس ومحاسبتها؛ واشتهر عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قوله: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا"؛ فالمجتمع القوي يبدأ بأفراد يراجعون أداءهم، ويصححون أخطاءهم، ويجعلون الإتقان والأمانة وتحمل المسؤولية جزءًا من حياتهم اليومية، ولذلك لم تكن المنافسة بين الصحابة على المناصب والمكاسب، وإنما في أبواب الخير والبذل والعمل، فكان كل واحد منهم يبحث عن موضع يستطيع أن يقدم فيه نفعًا حقيقيًّا.

وكل فرد يستطيع أن يسأل نفسه: ما القوة التي أستطيع أن أضيفها إلى وطني اليوم؟ ثم يبدأ من موضعه، وفي حدود قدرته، بعمل نافع متقن؛ فنهضة الأوطان لا يصنعها عمل واحد، وإنما تصنعها ملايين الأعمال الصالحة حين تتجه إلى غاية مشتركة.

 الوعي بما يثيره أعداء الوطن لزعزعة الأمن المجتمعي

من أخطر ما يهدد قوة المجتمعات أن تُستنزف من داخلها؛ فالأمم قد تمتلك العلم والاقتصاد والقوة المادية، ثم تضعف حين تفقد الثقة، وتنتشر فيها الشائعات، وتتسع دوائر الشك، وتتحول الخلافات الطبيعية إلى خصومات وتمزق، ولذلك كان الوعي بما يهدد تماسك المجتمع جزءًا من إعداد القوة؛ لأن المجتمع الواعي لا يسهل دفعه إلى الفوضى، ولا تحويل مخاوفه إلى وقود للصراع.

وقد وضع القرآن الكريم منهجًا واضحًا في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، فليس كل ما يصلح أن يُسمع يصلح أن يُنشر، ولا كل خبر يُتداول بين الناس يكون معلوم المصدر أو صحيح الدلالة؛ ولذلك يكون الرجوع إلى أهل الاختصاص والجهات المعنية عند القضايا التي تمس أمن المجتمع ومصالحه من مقتضيات المسؤولية.

ويحذر القرآن من البيئة التي تصبح فيها النفوس مستعدة لتلقي الفتنة وتداولها، قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، وفي حادثة الإفك علّم القرآن المجتمع كيف يتعامل مع الأخبار التي تمس الأعراض والسمعة، فقال: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، ثم جعل التثبت أصلًا في التعامل مع الاتهامات، وحذر من أن تتحول الكلمة إلى أداة لهدم الثقة بين الناس.

وجاءت السنة النبوية مؤكدة هذا المنهج؛ فقال -صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [رواه مسلم]، وقال -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ» [متفق عليه]، كما نهى عن ترويع الناس وإدخال الخوف عليهم بغير حق، فقال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [رواه أبو داود]، وعند اشتداد الفتن أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الحذر من الانخراط فيها بغير علم، فقال: «سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ...» [متفق عليه].

وقد واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- محاولات إثارة الانقسام داخل المجتمع بوعي وحكمة؛ فلما قال عبد الله بن أُبيّ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، لم يجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- معالجة الأمر سببًا لفتنة أكبر، وقال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» [متفق عليه]، وفي قصة مسجد الضرار كشف القرآن كيف يمكن أن تُتخذ شعارات مشروعة ستارًا لمقاصد تفرق الجماعة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٠٧]، كما عالج النبي -صلى الله عليه وسلم- محاولة إحياء العداوة القديمة بين الأوس والخزرج بالتذكير بنعمة الإسلام والأخوة، حتى انصرفوا عن الفتنة.

ومن هنا نفهم قيمة الوعي التي عبّر عنها حذيفة - رضي الله عنه - بقوله: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي" [متفق عليه]، فمعرفة أساليب الفتنة وسيلة للتحصن منها؛ فالإنسان لا يستطيع أن يتقي خطرًا يجهل طرائق ظهوره، ولهذا ينبغي أن يكون المجتمع قادرًا على التمييز بين الخبر والمعلومة المجهولة، وبين النقد المسؤول والتحريض، وبين الخطأ الفردي والتعميم الذي يهدم الثقة، وبين المطالبة بالإصلاح وبين نشر اليأس والفوضى.

وتؤكد دراسات الاتصال والإعلام أن الشائعات تجد بيئة خصبة حين يزداد الغموض وتتضاعف أهمية الموضوع لدى الجمهور، كما أظهرت دراسات حديثة لانتشار الأخبار على شبكات التواصل سرعة انتشار بعض الأخبار الكاذبة مقارنة بالأخبار الصحيحة، ولذلك أصبحت (التربية الإعلامية) جزءًا مهمًّا من بناء الوعي؛ فلا يكفي أن نعلّم أبناءنا كيف يقرأون، بل ينبغي أن نعلّمهم كيف يتحققون مما يقرؤون، ويميزون بين الخبر والرأي، ويتعرفون إلى المصدر والسياق والتاريخ، ويدركون أن سرعة النشر ليست دليلًا على صحة المعلومة.

إجراءات عملية لقضية الوعي: لا تنشر خبرًا قبل التحقق من مصدره وسياقه وتاريخه، وارجع في القضايا المتخصصة إلى أهل الاختصاص والجهات المعنية، واسأل عن مصلحة من يروّج الخبر وهدفه، ولا تجعل الغضب أو الخوف هو الذي يقرر ما تنشر، وعلّم أبناءك أن يتوقفوا قبل المشاركة والتعليق وإعادة النشر.

فالكلمة الواعية تحمي مجتمعًا، والكلمة المندفعة قد تمنح الفتنة ما تحتاج إليه؛ ولذلك كان التثبت من الأخبار، وحفظ اللسان، وصيانة الثقة، والتعاون على الإصلاح، جزءًا من إعداد القوة التي تحفظ أمن المجتمع وتماسكه.

 الخطبة الثانية: مواجهة التشكيك في قيمة ومكانة الوطن

الوطن ليس مجرد بقعةٍ من الأرض نعيش فوقها، ولا حفنةً من التراب تحدُّها الحدود؛ بل هو الحاضنة التي تنشأ فيها الشعوب، وتنمو فيها القيم، وتتكوّن في رحابها ملامح الهوية والانتماء، فيه تتصل ذاكرة الإنسان بماضيه، وتتشكّل علاقاته ومصالحه، ويشعر بأنه جزء من كيانٍ أوسع يجمعه بغيره من أبناء المجتمع.

ومن هنا تبدو خطورة بعض الخطابات التي تحاول اختزال الوطن في مجرد (حفنة تراب)، أو التشكيك في قيمته ومكانته؛ إذ إن إضعاف معنى الوطن في الوعي العام لا يقف أثره عند حدود التعبير، بل قد يمتد إلى إضعاف الشعور بالمسؤولية والانتماء، وفتح المجال أمام اللامبالاة تجاه مصالح المجتمع وأمنه واستقراره.

والوعي بقيمة الوطن يعني إدراك ما يمثله من بيتٍ جامع، وحقوقٍ مشتركة، ومصالحَ عامة، وذكرياتٍ وتضحياتٍ ومسؤوليات؛ ومن ثم فإن المحافظة على الوطن، وخدمة مجتمعه، وصيانة أمنه واستقراره، ليست شعاراتٍ عابرة، وإنما صورٌ من صور الوفاء والمسؤولية الاجتماعية.

 صور تشويه مفهوم الوطن

وقد حاول البعض تشويه مفهوم الوطن من خلال تصورات ضيّقت معناه، أو فصلته عن دلالاته الإنسانية والاجتماعية، وربطت مشروعية محبته بمعايير محددة لا تستوعب حقيقة الانتماء إلى الأرض والمجتمع.

ومن أبرز ما أورده البعض في هذا الباب أن محبة الوطن من التعصب، وهو تعميم لا يستقيم مع التفريق بين المحبة الفطرية المشروعة وبين التعصب المذموم الذي يحمل الإنسان على الظلم أو تقديم العصبية على الحق.

وعليه، فإن الإشكال في هذه التصورات لا يكمن في نقد التعصب للوطن، وهو أمر مشروع، وإنما في تحويل هذا النقد إلى نفيٍ لأصل المحبة والانتماء، أو اختزال الوطن في معنى واحد لا يستوعب أبعاده الإنسانية والاجتماعية.

ولذلك، فإن بيان الموقف الإسلامي من الوطن يقتضي التفريق بين الوطنية المتعصبة التي تقدّم الانتماء على الحق، وبين محبة الوطن والانتماء إليه بوصفهما من المعاني الفطرية والاجتماعية التي لا تتعارض في أصلها مع الشريعة.

ولبيان مفهوم الوطن وموقف الإسلام منه، يمكن الوقوف على عدد من المحاور المهمة، على النحو الآتي:

 حب الوطن فطرة

محبة الأوطان فطرةٌ فطر الله عليها الإنسان؛ بل هي فطرة فطر الله عليها كلَّ كائنٍ حيٍّ؛ حتى إنَّك ترى الحيوانات والطيور تَحِنُّ إلى مكان إقامتها، وترى أهل البادية يألفون حياة البداوة والخشونة ولا يريدون بها بَدَلًا، وأهل المدنية لا يطيقون البعد عن مركز الحضارة والتقدم ولا يرون عنها عِوضًا، ولذا قالوا: "فِطْرةُ الإنسانِ مَعْجونةٌ بحبِّ الوَطَنِ" [البلدان لابن الفقيه]، وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله: "وكانت العرب إذا سافرت، حملت معها من تربة بلدها تستشفي به عند مرض يعرض" [مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن]، وقد قال أعرابي وقد سُئل عن بلده: "أتشتاق إليها؟ فقال: كيف لا أشتاق إلى رملةٍ كنت رضيع غمامها، وربيب طعامها" [البلدان لابن الفقيه].

 الوطن ليس جمادًا

يظن بعض الناس أن الوطن ما هو إلا أرض مكونة من حجر ورمل وطين، ومعالم تتكون من جبال وصخور، وبناء يتكون من بيوت وقصور، وزرع متكاثر، ودواب لا تعقل، فأي قيمة لهذه الأشياء إلَّا بالدين؟! 

وهذا على إطلاقه فهم مغلوط، فالوطن ليس عبارة عن جماد لا إحساس فيه؛ بل هو قيم وأخلاق، عادات وتقاليد، ثوابت ومتغيرات، ولاء وانتماء، إخلاص ووفاء، حنين إلى البقاع، وشوق إلى المراقد، وإحساس بالكائنات، حضارة وثقافة، إحساس بالجمال، وحنين إلى المراقد والبقاع، فالحق سبحانه - وتعالى- يريد منا أن نرتقيَ بإيماننا من درجة الإنسانية المتجردة عن الإحساس بالكائنات إلى الإنسانية التي تعتقد أن كل شيء في الكون فيه إحساس وشعور متدفق بالحزن والفرح، والرضا والغضب، والعطاء والمنع، فليست الجمادات بأموات على الحقيقة، ولكن يعلوها قَبَسٌ من نورٍ لا يدرك جلاله وعظمته إلا من نوَّر الله تعالى بصيرته، وأوقفه على أنوار هدايته، وكم ذكر لنا رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- سلام الحجر عليه بمكة قبل البعثة، وحنين الجذع إليه حتى سمع الصحابة بكاءه، فلما استلمه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ووضع يده عليه سكن وهدأ، وكم سبَّح الحصى في كفه الشريف، وكم شكت إليه الحيوانات والدواب، وسمع ورأى ذلك أصحابه الكرام البررة، ثم تأمل صورة ناصعة من تفاعله صلوات الله وسلامه عليه من جبل أحد، كما في قوله الشريف -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيح: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» [صحيح البخاري].

أرأيتَ كيف كان -صلى الله عليه وسلم- على صلة وثيقة بالجمادات، تلك الصلة التي أبرزت نوعًا من المحبة بينه وبين الجبل، فأحد جبل يحبنا ونحبه، فوصف الجبل بأنه يحب ويأنس، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يحب الجبل، لأنه أهل لتلك المحبة.

 الوطن في القرآن الكريم

جاء مدح الوطن في القرآن الكريم في عشرات الآيات، ولكن على جهة التلميح لا التصريح، قال الإمام الزركشي: "اعْلَمْ أَنَّ الْعَرَبَ تَعُدُّ الْكِنَايَةَ مِنَ الْبَرَاعَةِ وَالْبَلَاغَةِ، وَهِيَ عِنْدُهُمْ أَبْلَغُ مِنَ التَّصْرِيحِ" [البرهان في علوم القرآن]، وعلى هذا فينبغي أن يُعلم أن ورود ذكر الوطن على سبيل الكناية مشعر بأهميته وقيمته على ما تعارف من فنون البلاغة في لسان العرب.

ومن تتبع ما جاء في الوطن مما هو على سبيل التلميح والكناية ونحو ذلك يجد العشرات من الآيات الكريمة التي تعطي إشارات واضحة عن محبة الوطن والاهتمام به، والدفاع عنه، وإبراز قيمته عند الناس كافة؛ ومن بين هذه النصوص:قوله تعالى: ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَیۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَیۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ [البقرة: ١٩١] فيا تُرى ما هي الفتنة التي هي أشد عليهم من القتل؟ قال بعض العلماء هي: فتنة الكفر والشرك، وقال بعضهم: بل المراد بالفتنة هي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان، فيتعذب به ويكون أشد عليه من القتل، وليس ذلك إلَّا الإخراج من الوطن، ولذا قيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟ قال: الذي يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت، ومنه قول القائل:

لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ  مَوْقِعًا ** عَلى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بحَدِّ فِرَاقِ

قال الإمام ناصر الدين البيضاوي المتوفى ٦٨٥هـ: "﴿وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ﴾ أي المحنة التي يفتتن بها الإنسان، كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النَّفس بها" [تفسير البيضاوي].

وقال الإمام الرازي عند قوله: ﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُوا۟ مِن دِیَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِیلࣱ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُوا۟ مَا یُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَیۡرࣰا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِیتࣰا﴾ [النساء: ٦٦]، قولته المشهورة: "جعل مفارقة الأوطان معادلة لقتل النَّفس" [مفاتيح الغيب للرازي].

وقال الحافظ ابن حجر: «وقد قُرنت مفارقة الوطن بالقتل، قَالَ تعالى: ﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُوا۟ مِن دِیَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ﴾ [النساء: ٦٦] [فتح الباري].

وقال الإمام الثعلبي المتوفى ٤٢٧هـ: ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡجَلَاۤءَ﴾ [الحشر: ٣]، الخروج عن الوطن ﴿لَعَذَّبَهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ﴾ [الحشر: ٣]، بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة ﴿وَلَهُمۡ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ﴾ [الحشر: ٣] [الكشف والبيان].

وقال الإمام البقاعي المتوفى ٨٨٥هـ: "ولما كان الوطن عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح، فكان الخروج منه في غاية العسر" [نظم الدرر] إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

 حب الوطن في السنة النبوية

لما بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- وبدت عليه إرهاصات النبوة ثم نزول الوحي، ذهب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع سيدتنا خديجة - رضي الله عنها - إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، ثم أخبره ورقة بأن قومه سيؤذونه ويكذبونه، فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- لما سمع ذلك، فلما أخبره بأنهم سيُخرِجونه من بلده، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «أوَ مُخرجيَّ هُمْ؟»، وهنا يقف الحافظ ابن حجر عند هذا الرد من سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وينقل نقلًا عن السهيلي يقول فيه: "يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النَّفس؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- سمع قول ورقة أنهم يؤذونه، ويكذبونه، فلم يظهر منه انزعاج لذلك، فلما ذكر له الإخراج تحركت نفسه لذلك؛ لحب الوطن وإلفه، فقال «أوَ مُخرجيَّ هُمْ؟»، قال: ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه فأشعر بأن الاستفهام على سبيل الإنكار أو التفجع" [فتح الباري].

وقال الفقيه أبو شامة المتوفي ٦٦٥هـ عن قوله -صلى الله عليه وسلم: «أوَ مُخرجيَّ هُمْ؟» فيقول: "فَفِي هَذَا دَلِيل على حب الوطن وَشدَّة مُفَارقَته على النَّفس" [شرح الحديث المقتفى]، وقال الحافظ العراقي المتوفى ٨٠٦هـ: "في رواية ابن إسحاق أن ورقة قال: "لتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه، فقال: أوَ مخرجيَّ هم"؟

فقال السهيلي: "في هذا دليل على حب الوطن وشدة مفارقته على النَّفس فإنه قال له: لتكذبنه، فلم يقل شيئًا، ثم قال: "ولتؤذينه" فلم يقل له شيئًا، ثم قال: "ولتخرجنَّه"، فقال -صلى الله عليه وسلم: «أوَ مُخرجيَّ هُمْ؟» قال: - وأيضًا - فإنه حَرَمُ الله وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل؛ فلذلك تحركت نفسه عند ذكر الخروج منه ما لم تتحرك قبل ذلك، قال: والموضع الدال على تحرك النَّفس وتحرقها إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الإخراج بالسؤال عنه، وذلك أن الواو ترد إلى الكلام المتقدم وتشعر المخاطب بأن الاستفهام على جهة الإنكار أو التكلف لكلامه والتألم منه» [طرح التثريب].

وهكذا فهم أئمة الحديث هذه اللفظة النبوية التي تظهر لنا مكامن محبة الوطن والحنين إليه عند سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

 مؤلفات علماء الإسلام في حب الوطن

لم يقف الأمر عند نصوص الشرع الشريف وأقوال واستدلالات علماء الإسلام في بناء قيمة الأوطان ومحبتها والحنين إليها، حتى أفردوا المؤلفات في محبة الأوطان والشوق إليها، ومن أهم هذه المؤلفات:

كتب الإمام أبو حاتم السجستانيّ المتوفى ٢٥٥هـ كتابًا بعنوان: "الشوق إلى الوطن" [معجم الأدباء]، وكتب عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ المتوفى ٢٥٥هـ كتابه المشهور: "الحنين إلى الأوطان" [الأعلام للزركلي]، وكتب الملقب بالباحث عن معتاص العلم العلامة الأديب محمد بن سهل المرزبان الكرجيّ المتوفى ٣٢٢هـ: "الحنين إلى الأوطان" [معجم الأدباء]، وكتب محمد بن أحمد بن إسحاق بن يحيى، أبو الطيب النحوي، المعروف بالوشاء المتوفى ٣٢٥هـ: "الحنين إلى الأوطان" [معجم الأدباء]، وكتب شيخ المحدثين الحافظ ابن خلَّاد الرامَهُرْمزي المتوفى ٣٦٠هـ: "المناهل والأعطان والحنين إلى الأوطان" [الوافي بالوفيات]، وكتب أحد أعيان أهل حلب المشهورين بالأدب والدين العلامة المحدث الأديب صالح بن جعفر المعروف بأبي طاهر الهاشمي الحنبلي المتوفى ٣٩٧هـ: "الحنين إلى الأوطان" [تاريخ دمشق].

وكتب علي بن محمد بن العباس المعروف بأبي حيان التوحيدي المتوفى ٤٠٠هـ: "الرسالة في الحنين إلى الأوطان" [بغية الوعاة]، وكتب العلامة النحوي الأديب ربيعة البصري كتابًا بعنوان: "حنين الإبل إلى الأوطان" [إنباه الرواة على أنباه النحاة]، وكتب عَيْنُ القضاةِ الهمذاني المصلوب سنة ٥٢٥هـ: "شكوى الغريب عن الأوطان إلى علماء البلدان"، وغيرهم كثير.

وهذا وغيره يحتم علينا وجوب لفت أنظار الناس إلى قيمة الوطن في تاريخنا وتراثنا الإسلامي، وأن محبته ونصرته والدفاع عنه واجب شرعي، حتى يدرك الناس كيف أن علماء الإسلام اهتموا ببناء أوطانهم، وأنهم دعوا الناس إلى محبتها والدفاع عنها مهما تكلف الأمر من تعب ومجاهدة، وفي هذا بيان لا مزيد عليه بقيمة الأوطان في الإسلام، وفي نظر علماء أمة سيد الأنام.