تحتفي وزارة الأوقاف باليوم العالمي للمعلمين، الذي يُحتفل به في الخامس من أكتوبر من كل عام، إحياءً لذكرى اعتماد توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لعام ١٩٦٦ بشأن أوضاع المدرسين، والتي أرست معايير تتصل بحقوق المعلمين ومسئولياتهم، وإعدادهم وتدريبهم وظروف عملهم. ويأتي احتفال عام ٢٠٢٦ متزامنًا مع الذكرى الستين لاعتماد هذه التوصية، تحت شعار «دعم المعلمين: ٦٠ عامًا من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا»، في ظل تحديات جديدة تفرضها التحولات الرقمية وتغير المناخ وقضايا الإدماج والهجرة والنزوح، وتستدعي تعزيز مكانة المعلم ودعم قدرته على أداء رسالته.
وتتجلى مكانة المعلم في التصور الإسلامي؛ لأن التعليم من أجلِّ أبواب بناء الإنسان وصناعة العمران، وقد جعل الإسلام العلم طريقًا إلى الرفعة، فقال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].
وقال سيدنا النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ وملائكتَه وأهلَ السماواتِ والأرضِ حتى النملةَ في جُحرِها وحتى الحوتَ ليُصلُّون على معلِّمِ الناسِ الخيرَ» رواه الترمذي. وقد عبّر أمير الشعراء أحمد شوقي عن جلال هذه الرسالة بقوله: «قم للمعلم وفِّهِ التبجيلا .. كادَ المعلِّمُ أن يكونَ رسولًا».
فالمعلم لا ينقل المعرفة فحسب، وإنما يسهم في بناء العقل والوجدان، وغرس القيم، وإعداد أجيال قادرة على تحمل المسئولية وصناعة المستقبل.
والمعلم في جوهر رسالته شريك في بناء الإنسان؛ فبقدر ما يُحسن أداء رسالته، ويجمع بين العلم والقدوة، ويحسن التواصل مع طلابه، ويستوعب المتغيرات من حوله، يكون أثره ممتدًّا في الفرد والمجتمع.
ومن هنا فإن دعم المعلم لا يقتصر على تحسين ظروف مهنته، بل يشمل صون مكانته، والارتقاء بإعداده، وإتاحة فرص التطوير المستمر أمامه، وتمكينه من أداء دوره التربوي والعلمي في عالم سريع التغير؛ لأن الاستثمار في المعلم هو استثمار في الإنسان، وفي مستقبل الأوطان.
الارتقاء بالمعلم وتطوير قدراته
وتولي الدولة المصرية التعليم وبناء الإنسان عناية متقدمة، ويأتي الارتقاء بالمعلم وتطوير قدراته في صميم نجاح أي منظومة تعليمية؛ فالمناهج والتقنيات مهما تطورت تظل في حاجة إلى معلم واعٍ برسالته، قادر على تحويل المعرفة إلى فهم، والمعلومة إلى وعي، والقيمة إلى سلوك.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التكامل بين مؤسسات الدولة في صناعة الوعي، وترسيخ القيم، ومواجهة الأفكار والممارسات التي تعوق بناء شخصية متوازنة تجمع بين العلم والأخلاق والانتماء والمسئولية.
وتضطلع وزارة الأوقاف بدورها في هذا البناء من خلال العناية بالتأهيل العلمي والفكري واللغوي للأئمة والواعظات، ورفع كفاءتهم لمواكبة قضايا العصر والتفاعل الواعي مع المجتمع؛ حيث تواصل الوزارة تنفيذ برامج تدريبية تجمع بين الدراسة الأكاديمية والتطبيق العملي، بما يسهم في إعداد كوادر دعوية قادرة على أداء رسالتها في نشر الفكر الوسطي المستنير وبناء الوعي.
كما تمثل المساجد، بما تضطلع به من رسالة تعليمية وتربوية، فضاءً لنشر العلم الصحيح، وترسيخ القيم، وتصحيح المفاهيم، وبناء الإنسان القادر على التمييز بين الحق والباطل، والعلم والخرافة، والوعي والوهم.
وفي اليوم العالمي للمعلمين، تؤكد وزارة الأوقاف أن تكريم المعلم لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما بتقدير رسالته، وصون مكانته، ودعم قدرته على أداء دوره، وإتاحة المجال أمامه للتعلم والتطور والإبداع؛ فالمعلم الذي يبني عقلًا واعيًا، ويغرس قيمة، ويصنع قدوة، يشارك في بناء مستقبل وطنه.
وتدعو الوزارة إلى ترسيخ ثقافة مجتمعية تقدّر العلم وأهله، وتدعم المعلمين في أداء رسالتهم، وتتكامل فيها جهود الأسرة والمدرسة والمسجد ومؤسسات الدولة لصناعة إنسان واعٍ، متعلم، نافع لوطنه ومجتمعه، سائلة الله تعالى أن يوفق المعلمين إلى أداء رسالتهم، وأن يجزيهم خير الجزاء، وأن يحفظ مصر وأبناءها، ويحفظ شعوب العالم أجمع، وأن يسود العالم الأمن والسلام والاستقرار، وأن يوفق الجميع لما فيه خير الإنسان وصلاح الأوطان.



