تتسبب ساعات الجلوس الطويلة أمام شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة في زيادة الإجهاد الواقع على عضلات الرقبة، خاصة عند الاعتياد على إمالة الرأس إلى الأمام لفترات ممتدة. ومع تكرار هذه الوضعية يوميًا، قد يبدأ الشعور بالتيبس وصعوبة تحريك الرقبة، وقد يتطور الأمر إلى آلام متكررة تؤثر في الراحة والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
ووفقًا لتقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «BBC»، تناول تأثير وضعيات الجلوس واستخدام الأجهزة الإلكترونية في صحة الرقبة، واستعرض نصائح وتمارين أوصى بها أنتوني غوش، استشاري جراحة الأعصاب والعمود الفقري في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) بمستشفى كوينز في لندن، للمساعدة على تحسين حركة الرقبة وتقوية العضلات الداعمة لها، تشير تقديرات مستندة إلى تحليل بيانات العبء العالمي للأمراض لعام 2021 إلى أن نحو 60% إلى 80% من الأشخاص قد يعانون من آلام الرقبة في مرحلة ما من حياتهم، بينما يواجه قرابة نصفهم نوبات متكررة أو دورية من الألم، ما يجعل الاهتمام بصحة الرقبة والوقاية من الإجهاد العضلي أمرًا مهمًا.
ولا تقتصر أسباب آلام الرقبة على استخدام الأجهزة الإلكترونية، إذ قد ترتبط أيضًا بالتغيرات الطبيعية التي تصيب الأقراص الغضروفية والمفاصل مع التقدم في العمر، إلى جانب بعض المشكلات الصحية التي تؤثر في العمود الفقري. ومع ذلك، يمكن أن يساعد تعديل وضعية الجسم والحركة المنتظمة وممارسة التمارين المناسبة على تحسين مرونة الرقبة ودعم العضلات المحيطة بها.
لماذا تزداد آلام الرقبة مع استخدام الهاتف والكمبيوتر؟
عند الجلوس في وضع مستقيم، يكون الرأس في وضع أكثر اتزانًا فوق العمود الفقري، ما يساعد على توزيع الحمل بصورة أفضل. لكن عند الانحناء إلى الأمام لمتابعة شاشة الهاتف أو الكمبيوتر، يتغير موضع الرأس وتضطر عضلات الرقبة إلى بذل جهد إضافي للمحافظة على ثباته.
ومع استمرار هذه الوضعية لفترات طويلة، قد تظهر أعراض مثل الشد العضلي والتيبس والشعور بالألم في الرقبة والكتفين، خاصة عند عدم تغيير وضعية الجسم أو أخذ فترات راحة خلال العمل.
كما يمكن أن تؤثر التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر في مرونة الأنسجة والأقراص الغضروفية والمفاصل، إلا أن ظهور تغيرات في فحوص التصوير لا يعني بالضرورة أن الشخص يعاني من ألم أو يحتاج إلى علاج.
وتحتاج بعض الحالات، مثل الجنف الذي يتمثل في انحناء جانبي غير طبيعي للعمود الفقري، إلى تقييم متخصص، ولا ينبغي افتراض أن الجلوس الطويل أو استخدام الشاشات هو السبب المباشر للإصابة به.
الحركة المنتظمة أفضل من الثبات لفترات طويلة
لا تتطلب حماية الرقبة شراء كراسٍ باهظة الثمن أو الاعتماد على أدوات خاصة، إذ يمكن أن يساعد تغيير وضعية الجلوس بانتظام وتقليل فترات الانحناء وتحريك الجسم على الحد من الإجهاد الناتج عن الثبات لفترات طويلة.
ويُفضل ضبط شاشة الكمبيوتر بحيث تكون في مستوى مريح للعين، ورفع الهاتف لتقليل الحاجة إلى إمالة الرأس، مع إرخاء الكتفين وإبقاء الظهر في وضع مريح. كما يُنصح بأخذ فترات راحة قصيرة ومتكررة خلال ساعات العمل، بدلًا من البقاء في وضعية واحدة طوال اليوم.
وإلى جانب هذه العادات، يمكن الاستعانة ببعض التمارين البسيطة التي تستهدف حركة الرقبة وتحسين وضعية الرأس وتقوية العضلات الداعمة لها، مع مراعاة اختلاف قدرة كل شخص وحالته الصحية.
5 تمارين تساعد على تخفيف إجهاد الرقبة
قبل البدء في ممارسة أي تمرين جديد، يُفضل استشارة الطبيب أو اختصاصي العلاج الطبيعي، خاصة عند وجود إصابة سابقة أو ألم مستمر أو أعراض عصبية. وينبغي أداء الحركات ببطء ومن دون إجبار الرقبة على الوصول إلى أقصى مدى حركي.
1. تدوير الرأس لتحسين مرونة الرقبة
يساعد هذا التمرين على تحريك الرقبة بلطف وتحسين مدى الحركة، ويمكن أداؤه أثناء الجلوس في وضع مريح مع استقامة الظهر.
ابدأ بالنظر إلى الأمام، ثم أدر رأسك ببطء نحو اليمين إلى الحد المريح، من دون رفع الكتفين أو تحريك الجذع. اثبت لمدة ثانيتين تقريبًا، ثم أعد رأسك إلى المنتصف وكرر الحركة ناحية اليسار.
يمكن تكرار الحركة مرتين أو ثلاث مرات لكل جانب، مع توزيعها على مدار اليوم وفقًا لدرجة الراحة. وإذا تسبب التمرين في زيادة الألم أو ظهور دوار أو تنميل، فيجب التوقف عنه.
2. الحفاظ على وضعية الرقبة المحايدة
لا تعني الوضعية الصحيحة تثبيت الرقبة في وضع جامد طوال اليوم، وإنما الحفاظ على وضع مريح للرأس مع تجنب الانحناء المستمر أو دفع الذقن إلى الأمام.
أثناء الجلوس أمام الكمبيوتر أو مشاهدة التلفزيون، اجعل الرأس في محاذاة الكتفين قدر الإمكان، وأرخِ الكتفين واترك الظهر في وضع طبيعي ومريح. وتجنب إبقاء الرأس مائلًا إلى أحد الجانبين أو ملتفًا لفترة طويلة.
ومن المهم تغيير وضعية الجسم بانتظام، لأن الحركة المتكررة وتوزيع فترات الجلوس على فترات أقصر قد يساعدان على تقليل الإجهاد العضلي.
3. تمرين سحب الذقن إلى الداخل
يُستخدم هذا التمرين للمساعدة على تحسين وضعية الرأس لدى الأشخاص الذين اعتادوا دفع الذقن إلى الأمام أثناء استخدام الهاتف أو الكمبيوتر.
اجلس أو قف في وضع مريح، وانظر إلى الأمام مباشرة، ثم اسحب الذقن إلى الداخل برفق، كما لو كنت تحاول تكوين ذقن مزدوجة، مع إبقاء العينين في مستوى أفقي وعدم خفض الرأس إلى الصدر.
حافظ على الوضعية لبضع ثوانٍ، ثم استرخِ وعد إلى نقطة البداية. كرر الحركة عدة مرات من دون شد عضلات الرقبة بقوة أو رفع الكتفين.
ويُفضل أداء الحركة بهدوء، مع الحفاظ على التنفس الطبيعي وتجنب المبالغة في سحب الذقن إلى الخلف.
4. تمرين تنشيط العضلات العميقة القابضة للرقبة
تساعد العضلات العميقة القابضة للرقبة على التحكم في وضع الرأس والمساهمة في استقرار المنطقة العنقية، ويمكن تدريبها بحركات بسيطة، لكن يجب البدء بدرجة تناسب القدرة البدنية.
استلقِ على ظهرك فوق سطح ثابت ومريح، مع ثني الركبتين ووضع القدمين على السطح. اسحب الذقن إلى الداخل برفق، مع إبقاء الرأس مستندًا إلى السطح في البداية، وتجنب الضغط بقوة أو ثني الرقبة بصورة مبالغ فيها.
حافظ على الانقباض الخفيف لبضع ثوانٍ، ثم استرخِ وكرر الحركة عدة مرات بحسب قدرتك.
أما رفع الرأس عن السطح مع الحفاظ على ثني الذقن، فهو مستوى أكثر تقدمًا وقد يزيد الحمل على عضلات الرقبة؛ لذلك لا يُنصح بالانتقال إليه دون التأكد من ملاءمته للحالة، خاصة لدى من يعانون من ألم قائم أو مشكلات في الفقرات العنقية.
5. تمرين تقوية عضلات الرقبة باستخدام المقاومة
يمكن لبعض تمارين المقاومة أن تساعد على تحسين قدرة عضلات الرقبة على التحمل، لكن اختيار الحركة المناسبة وطريقة أدائها أمران أساسيان لتجنب زيادة الإجهاد.
يمكن البدء بتمرين بسيط يتمثل في الجلوس مع استقامة مريحة للرأس والظهر، ثم وضع راحة اليد على الجبهة والضغط بالرأس إلى الأمام ضغطًا خفيفًا جدًا، مع مقاومة الحركة باليد حتى لا يتحرك الرأس فعليًا. حافظ على الضغط لثوانٍ قليلة، ثم استرخِ.
يجب أن يكون الضغط محدودًا ومن دون ألم، ولا يُنصح بأداء تمارين المقاومة للرقبة دون توجيه متخصص إذا كانت هناك إصابة أو أعراض عصبية أو مشكلة معروفة في العمود الفقري العنقي.
أما استخدام شريط المقاومة أو أداء حركات ثني الرقبة المتكررة تحت الحمل، فيُفضل أن يتم بعد تعلم التقنية الصحيحة من اختصاصي العلاج الطبيعي، لأن زيادة المقاومة أو أداء الحركة بطريقة غير مناسبة قد يؤديان إلى تفاقم الأعراض.
نصائح يومية للحفاظ على صحة الرقبة
إلى جانب التمارين، يمكن اتباع مجموعة من العادات التي تساعد على تقليل الإجهاد الواقع على عضلات الرقبة خلال اليوم، من بينها رفع الهاتف إلى مستوى أقرب للعين، وضبط شاشة الكمبيوتر، وتغيير وضعية الجلوس بصورة متكررة، والتحرك خلال فترات العمل الطويلة.
كما يُنصح بتجنب الاعتماد على تمرين واحد باعتباره حلًا لجميع أنواع آلام الرقبة، لأن العلاج المناسب يتوقف على سبب الألم وشدته والأعراض المصاحبة له.
متى تحتاج آلام الرقبة إلى مراجعة الطبيب؟
يمكن أن تتحسن بعض حالات الإجهاد العضلي البسيط مع تعديل العادات اليومية والحركة المناسبة، لكن استمرار الألم أو تكراره أو تأثيره في النوم والأنشطة اليومية يستدعي استشارة الطبيب لتحديد السبب.
ويجب طلب التقييم الطبي العاجل عند ظهور ضعف جديد أو متزايد في الذراعين أو الساقين، أو اضطراب التوازن والمشي، أو ألم شديد بعد إصابة. كما تستدعي الحمى المصحوبة بصداع شديد وتيبس الرقبة رعاية طبية عاجلة.

