هناك أيام لا تمر في ذاكرة الأوطان، ولكن تبقى محفورة في وجدان الشعوب مهما مرت السنوات، ويأتي السادس من أكتوبر عام 1973 في مقدمة هذه الأيام بالنسبة لمصر، لأنه لم يكن مجرد تاريخ لانتصار عسكري، وإنما كان يومًا أثبت فيه المصريون أن الإرادة عندما تتحول إلى عمل وتخطيط وتضحية تستطيع أن تهزم المستحيل.
في السادس من أكتوبر لم يعبر الجيش المصري قناة السويس فقط، ولكن عبرت مصر نفسها من مرارة الهزيمة إلى استعادة الثقة، ومن الانتظار إلى الفعل، ومن الألم إلى الانتصار، في رسالة واضحة للعالم بأن مصر، مهما كانت صعوبة الظروف، تملك القدرة على استعادة حقوقها وصناعة مستقبلها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لنصر أكتوبر التي يجب أن نقرأها اليوم بعين مختلفة، فالمعارك تتغير والأسلحة تتغير، لكن معركة الأوطان من أجل البقاء والتقدم لا تتوقف.
فإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة تحرير الأرض، فإن أجيال اليوم تواجه تحديات من نوع آخر، تتقدمها المعركة الاقتصادية، بما تتطلبه من زيادة الإنتاج، وتعزيز الصناعة المحلية، وتنمية الصادرات، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص العمل، ورفع قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الأزمات العالمية.
لقد أثبت نصر أكتوبر أن قوة مصر لا ترتبط بحجم الإمكانات وحده، وإنما بقدرتها على إدارة هذه الإمكانات وتحويلها إلى نتائج. وهذا الدرس يظل حاضرًا في الواقع الاقتصادي؛ فالموارد والاستثمارات والسياسات الاقتصادية تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تنعكس على قوة الدولة وعلى حياة المواطن.
ومن هنا يبقى المواطن المصري هو المقياس الأهم لأي تقدم اقتصادي فعندما نتحدث عن زيادة الإنتاج والاستثمار والصادرات، يجب أن يكون السؤال واضحًا: ماذا سيشعر به المواطن؟ هل تتراجع تكلفة المعيشة؟ هل تتوافر فرص عمل أفضل؟ هل يتحسن دخل الأسرة؟ وهل تصبح المنتجات المصرية أكثر قدرة على تلبية احتياجات السوق والمنافسة خارجيًا؟
هذه الأسئلة هي جوهر التحدي الاقتصادي الحالي والإجابة عنها تحتاج النظر إلى رؤية الدولة التي يدعمها الرئيس عبدالفتاح السيسي للعمل على زيادة الإنتاجية، وتوطين الصناعة، وتعميق التصنيع المحلي، ودعم الزراعة، وتشجيع القطاع الخاص، وفتح مجالات أوسع أمام الشباب، مع تعزيز قدرة المنتج المصري على الوصول إلى الأسواق العالمية.
وكما احتاج العبور العسكري إلى تخطيط دقيق وإرادة وصبر، فإن تجاوز التحديات الاقتصادية يحتاج إلى الاستمرار في العمل وعدم الاكتفاء بالحلول قصيرة المدى، لأن قوة الاقتصاد تبنى بتراكم الإنجازات وتحويل الأزمات إلى فرص.
ولهذا فإن ذكرى أكتوبر يجب ألا تبقى في إطار استعادة مشاهد البطولة فقط، وإنما تحمل أيضًا رسالة إلى الأجيال الجديدة بأن حماية الوطن لا تكون بالسلاح وحده، وإنما بالعلم والعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية.
لقد دفع شهداء أكتوبر ثمنًا غاليًا من أجل أن تبقى مصر، ومن واجب الأحياء أن يصونوا هذا الوطن ويحافظوا على قدرته، وأن يجعلوا من تضحيات الماضي دافعًا لصناعة مستقبل أكثر قوة واستقرارًا.
وفي ذكرى انتصارات أكتوبر، لا نحتاج فقط إلى أن نتذكر كيف عبر أبطالنا قناة السويس، بل علينا أن نسأل أنفسنا: هل نستطيع أن نعبر اقتصاديًا إلى مصر التي نريدها؟
ولكن الإجابة تبدأ بالإنسان، وبالعلم، وبالعمل، وبالإنتاج، وبقدرة الدولة والمجتمع على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية.
إن نصر أكتوبر ترك لمصر درسًا يتجاوز حدود المعركة العسكرية؛ درسًا يقول إن الإرادة المنظمة قادرة على تغيير الواقع. واليوم، يبقى هذا الدرس حاضرًا أمام كل مصري يريد أن يرى وطنه أكثر قوة وقدرة على مواجهة المستقبل.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ جيشها وشعبها وأرضها، وكل عام ومصر قوية وآمنة وقادرة على العبور من كل تحدٍ إلى مستقبل أكثر قوة واستقرارًا.