تظل حرب أكتوبر المجيدة واحدة من أكثر اللحظات إشراقا في سجل العسكرية المصرية العريقة، وملحمة تبارت فيها مختلف التشكيلات والقيادات والوحدات في أداء أدوارها، لتصنع معا مفتاح النصر وتعيد إلى الوطن جزءا غاليا وعزيزا من أرضه، بعدما قدم المصريون في سبيل ذلك دماء طاهرة وتضحيات لا تزال حاضرة في ذاكرة الأمة.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية خاضتها مصر وحققت خلالها واحدا من أعظم انتصاراتها، وإنما كانت اختبارا تاريخيا حقيقيا لقدرة الشعب المصري وقواته المسلحة على تحويل المستحيل إلى واقع، والحلم إلى حقيقة، والهزيمة إلى انتصار.
ففي السادس من أكتوبر عام 1973، أثبتت القوات المسلحة المصرية أن الإرادة حين تقترن بالتخطيط والإعداد والتضحية قادرة على كسر أصعب القيود، وتجاوز أكثر التحديات تعقيدا، وإعادة رسم معادلات القوة في المنطقة.
وبمناسبة الذكرى الـ 53 لنصر أكتوبر، كان لـ "صدى البلد" لقاء مع الفريق مجدي شعراوي، قائد القوات الجوية الأسبق ونائب قائد سرب الاستطلاع الجوي في قاعدة بلبيس الجوية خلال معركة النصر، الذي استعاد خلال حواره تفاصيل مشاركته في الحرب، وكشف محطات مهمة من سنوات الإعداد التي سبقت العبور، ودور القوات الجوية في تحقيق النصر.
أكد الفريق مجدي شعراوي أن نصر السادس من أكتوبر لم يأت فجأة، وإنما سبقته مجموعة من المحطات المهمة التي أسهمت في بناء الثقة وإعداد القوات المسلحة للمعركة الكبرى.
رأس العش.. أولى محطات استعادة الثقة
وأوضح الفريق مجدي شعراوي أن أولى هذه المحطات كانت في الأول من يوليو عام 1967، عندما خاضت قوات الصاعقة المصرية معركة رأس العش، وواجهت قوات العدو الإسرائيلي في معركة شرسة تمكنت خلالها من التصدي له وإلحاق خسائر كبيرة به.
وأضاف أن المحطة الثانية جاءت يومي 14 و15 يوليو من العام نفسه، عندما نفذت القوات الجوية المصرية ضربة مركزة استمرت لمدة يومين ضد قوات العدو الموجودة شرق القناة، وتحديدا في منطقة القنطرة شرق، التي كان يستخدمها العدو لتخزين الذخائر والمعدات، وحشد بعض قواته استعدادا لمحاولات العبور إلى الضفة الغربية للقناة.
إغراق إيلات
وتابع الفريق مجدي شعراوي حديثه موضحا أن المحطة الثالثة جاءت في 21 أكتوبر 1967، عندما نجحت القوات البحرية المصرية في إغراق وتدمير المدمرة الإسرائيلية "إيلات".
حرب الاستنزاف
وأشار إلى أن هذه العمليات تلتها مرحلة حرب الاستنزاف، التي نفذتها القوات المصرية ضد العدو الإسرائيلي، واستهدفت إنهاك قدراته واستنزاف قواته برا وبحرا وجوا، من خلال عمليات في العمق وأخرى على خطوط المواجهة، الأمر الذي أسهم في الضغط على العدو ودفعه إلى السعي لوقف إطلاق النار، وأكد أن هذه المواجهات المتتالية مثلت، في مجملها، مقدمات أساسية مهدت الطريق لنصر أكتوبر العظيم.
الإعداد لحرب أكتوبر
وعن الإعداد لحرب أكتوبر، أكد الفريق مجدي شعراوي أن القوات المسلحة، وفي مقدمتها القوات الجوية، خاضت مرحلة طويلة من الاستعداد والتدريب وإعادة بناء القدرات.
جمع المعلومات عن العدو
وكشف إنه كان يعمل طيارا في سرب الاستطلاع الجوي بقاعدة بلبيس الجوية، الذي بدأ نشاطه عام 1968، وكانت مهمته الأساسية جمع المعلومات عن العدو برا وبحرا وجوا، وكشف أن أفراد السرب قاموا بتصوير خط بارليف منذ بدء أعمال حفره وحتى اكتماله، كما عملوا على تصوير النقاط الحصينة وتحديد مواقعها، ودراسة نقاط قوتها وضعفها، ثم تقديم تلك المعلومات إلى القيادة العامة للقوات المسلحة.
وأكد قائد القوات الجوية الأسبق أن الاستطلاع الجوي يمثل أهمية كبيرة في إدارة العمليات العسكرية، نظرا لقدرته على استطلاع مساحات واسعة خلال زمن قصير، ومن زوايا مختلفة، وأوضح أن الصور الجوية التي كانت تلتقطها أطقم الاستطلاع أتاحت للقيادة فرصة دراسة الموقف على مسرح العمليات، ورصد التغيرات التي يجريها العدو، وإجراء المقارنات بين أوضاعه من فترة إلى أخرى، بما يوفر قاعدة معلومات تساعد في بناء القرار العسكري.
معامل لتحميض الصور الجوية الملتقطة
وعن طبيعة تدريب أطقم الاستطلاع الجوي خلال فترة الإعداد للحرب، أوضح الفريق مجدي شعراوي أنهم كانوا يتدربون بصورة يومية، مشيرا إلى أن طبيعة مهام سرب الاستطلاع كانت مختلفة عن غيره من الأسراب، لما تتطلبه من تجهيزات خاصة على الأرض.
وأوضح أن هذه التجهيزات شملت معامل لتحميض الصور الجوية الملتقطة، إلى جانب أجهزة مخصصة لاستخراج المعلومات إلكترونيا وتحليلها والاستفادة منها في دراسة الموقف العسكري.
تدمير وشل حركة مراكز قيادة العدو
وعن ذكرياته خلال حرب السادس من أكتوبر، أوضح الفريق مجدي شعراوي أن القوات الجوية كلفت في بداية المعركة بتدمير وشل حركة مراكز قيادة العدو وراداراته، إلى جانب استهداف المطارات والطائرات الإسرائيلية الموجودة في سيناء.
وأكد أن القوات الجوية نجحت في تنفيذ المهام المكلفة بها، لتبدأ بعد ذلك مرحلة التمهيد النيراني التي نفذتها المدفعية لمدة ساعة، مستهدفة عمق العدو ومؤمنة عبور قوات المشاة إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.
وأشار إلى أن مراحل العملية جرت في إطار متكامل، تحت حماية القوات الجوية وقوات الدفاع الجوي، إلى جانب الدور الذي قامت به عناصر الإعاقة الإلكترونية.
معركة المنصورة الجوية
ووصف الفريق مجدي شعراوي معركة المنصورة الجوية بأنها ملحمة عسكرية ستظل حاضرة في تاريخ المعارك الجوية لعقود طويلة، مشيرا إلى الفوارق الكبيرة التي كانت موجودة بين إمكانات الطائرات والأسلحة التي امتلكها الطرفان.
وأوضح أن بعض طائرات العدو كانت قادرة على التحليق لمدة تصل إلى ثلاث ساعات، في حين كانت الطائرات المصرية بالكاد تستطيع الطيران لنحو نصف ساعة، كما كان هناك تفاوت في مدى الصواريخ المستخدمة، حيث كانت بعض صواريخ العدو قادرة على الوصول إلى مسافات تتراوح بين 15 و16 كيلومترًا، مقابل صواريخ مصرية كان مداها لا يتجاوز نحو كيلومتر ونصف.
ورغم هذا الفارق في الإمكانات والتسليح، تمكن المقاتل المصري من خوض واحدة من أعنف المعارك الجوية، وتحقيق أداء قتالي أثبت أن التفوق التكنولوجي لا يعني بالضرورة حسم المعركة.
وأكد قائد القوات الجوية الأسبق أن كفاءة الأطقم الأرضية وسرعتها في إعادة تجهيز الطائرات للطلعات الجديدة كانت إحدى أهم كلمات السر في معركة المنصورة الجوية.
وأوضح أن الطائرة كان يجري تجهيزها للعودة إلى القتال خلال نحو 6 دقائق فقط، وهو ما أسهم في زيادة معدلات الطلعات الجوية واستمرار الضغط على قوات العدو، مشيرا إلى أن التفوق في الاشتباك الجوي لم يكن قائما على السلاح وحده، وإنما استند إلى التدريب الجيد والتكتيكات المختلفة، فضلا عن إيمان المقاتل المصري بقضيته وارتفاع روحه المعنوية، ووضع هدف واحد أمام عينيه وهو تحقيق النصر، دون وجود خيار آخر.
إرادة المقاتل السلاح الذي حسم معركة المنصورة
وشدد الفريق مجدي شعراوي على أن القوات الجوية المصرية خاضت معارك حرب أكتوبر المجيدة بكفاءة واقتدار منذ بدايتها وحتى نهايتها، مؤكدا أن ما تحقق لم يكن نتاج عنصر واحد، وإنما ثمرة منظومة متكاملة من التدريب والتخطيط والاستعداد والتكتيك، وفي القلب منها إرادة المقاتل المصري.
وفي ختام حواره وجه الفريق مجدي شعراوي التحية والتقدير والاعتزاز إلى جيل حرب أكتوبر، مؤكدا أن معركة النصر ستظل صفحة خالدة في تاريخ مصر، وستبقى تكتب بأحرف من ذهب في سجلات العسكرية المصرية مهما مرت عليها السنوات.