عاد مستقبل القيادة السياسية في أوكرانيا إلى واجهة المشهد الدولي، مع تصاعد الضغوط الأمريكية على الرئيس فولوديمير زيلينسكي لإجراء انتخابات رئاسية جديدة، في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن الشخصيات القادرة على منافسته أو خلافته، وسط استمرار الحرب مع روسيا وتعقيدات المشهد السياسي والعسكري في البلاد.
وأثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا جديدًا بعدما دعا إلى انتخاب رئيس أوكراني جديد، عقب انتقادات وجّهها زيلينسكي لاتفاق يتيح للولايات المتحدة الوصول إلى ملايين الأطنان من الديزل الروسي، في ظل ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بالحرب الأمريكية مع إيران وإغلاق مضيق هرمز.
وقال ترامب، السبت الماضي، إنه يعتقد أن الوقت حان لانتخاب رئيس جديد لأوكرانيا، فيما أعلن زيلينسكي استعداده لتنظيم الانتخابات إذا وافقت روسيا على وقف شامل لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، وفقًا لما أوردته مجلة «نيوزويك» الأمريكية.
انتخابات معلقة بسبب الحرب
تواجه أوكرانيا معضلة سياسية وقانونية بشأن إجراء الانتخابات الرئاسية، إذ تمنع القوانين السارية تنظيمها في ظل الأحكام العرفية المفروضة منذ بدء الحرب الروسية الشاملة في 24 فبراير 2022، بينما تؤكد السلطات الأوكرانية أن استمرار الهجمات يجعل توفير الظروف الأمنية اللازمة للاقتراع أمرًا بالغ الصعوبة.
ورغم انتهاء المدة الرئاسية الأصلية لزيلينسكي في مايو 2024، يواصل الرئيس الأوكراني ممارسة مهامه، في حين تستغل موسكو تأجيل الانتخابات للتشكيك في شرعيته، بينما يتهمه ترامب باستخدام الحرب لتجنب الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
وفي الداخل الأوكراني، تشير استطلاعات الرأي إلى تغير مواقف الناخبين تجاه مستقبل زيلينسكي السياسي، إذ أظهر استطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع أن أغلبية المشاركين لا تؤيد ترشحه لولاية ثانية، بعدما كانت نسبة الرافضين أقل في أواخر عام 2025. ومع ذلك، عارض 71% من المشاركين إجراء الانتخابات في الوقت الراهن، ولم يحسم زيلينسكي موقفه بشأن خوض الاستحقاق المقبل.
زالوجني.. المنافس الأبرز لزيلينسكي
فاليري زالوجني، القائد السابق للقوات المسلحة الأوكرانية والسفير الحالي لدى بريطانيا، في مقدمة الأسماء المطروحة لخوض المنافسة الرئاسية المحتملة، مستفيدًا من شعبيته التي اكتسبها خلال قيادته الجيش في المراحل الأولى من الحرب الروسية.
وأظهرت بيانات نشرها مركز «ريتينج جروب» للأبحاث أن زالوجني وزيلينسكي يتصدران قائمة المرشحين المحتملين، إذ أبدى نحو 23% من المشاركين استعدادهم للتصويت للرئيس الحالي، فيما حظي زالوجني بتأييد أكثر من خُمس المستطلعة آراؤهم.
كما أظهرت النتائج أن 64% من المشاركين يثقون بزالوجني، مقابل 53% لزيلينسكي، ما يعزز موقعه بوصفه أحد أبرز المنافسين المحتملين على الرئاسة.
وترى جيني ماذرز، المحاضرة البارزة في السياسة الدولية بجامعة أبيريستويث في ويلز، أن سجل المرشحين خلال الحرب ودورهم في مواجهة روسيا قد يكونان عاملين حاسمين في تحديد اختيارات الناخبين. لكنها أشارت إلى أن ابتعاد زالوجني نسبيًا عن الأضواء خلال عمله الدبلوماسي في لندن قد يشكل تحديًا أمام تعزيز حضوره السياسي داخل أوكرانيا.
بودانوف.. نفوذ استخباراتي وطموحات محتملة
يبرز كيريلو بودانوف، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الأوكرانية ورئيس مكتب زيلينسكي منذ بداية عام 2026، ضمن الأسماء التي تحظى باهتمام في سياق الحديث عن مرحلة ما بعد زيلينسكي.
واكتسب بودانوف شهرة واسعة بفضل دوره في إدارة العمليات الاستخباراتية خلال الحرب، وهو ما انعكس على مؤشرات الثقة به؛ إذ أظهرت بيانات «ريتينج جروب» أن نحو 53% من الأوكرانيين يثقون به، وهي النسبة نفسها المسجلة لزيلينسكي.
وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة من أبدوا استعدادهم للتصويت لبودانوف في الجولة الأولى من انتخابات رئاسية افتراضية نحو 6.7%، كما لم يعلن حتى الآن نيته الترشح، ما يجعل فرصه الانتخابية مرتبطة بمدى قدرته على تحويل رصيده الأمني والاستخباراتي إلى قاعدة سياسية أوسع.
فيدوروف.. رصيد تكنولوجي ومخاوف سياسية
يأتي ميخايلو فيدوروف، وزير الدفاع السابق وأحد أبرز المسؤولين عن تطوير برنامج الطائرات المسيّرة الأوكراني، ضمن الشخصيات التي قد تدخل المنافسة على قيادة البلاد، مستفيدًا من ارتباط اسمه بتطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية خلال الحرب.
وعاد فيدوروف إلى دائرة الاهتمام السياسي عقب إقالته من منصبه في يوليو 2026، وسط خلافات سياسية وعسكرية أثارت احتجاجات في عدد من المدن، قبل أن يدعو لاحقًا إلى إجراء انتخابات حتى في ظل استمرار الحرب.
وأظهر استطلاع «ريتينج جروب» أن 38% من المشاركين يثقون بفيـدوروف، فيما أبدى نحو 7.6% استعدادهم للتصويت له في الجولة الأولى من انتخابات محتملة.
لكن ماذرز حذرت من أن انتقاداته عقب إقالته قد تعزز الانطباع بأنه يسعى إلى تحسين موقعه السياسي الشخصي، بدلًا من التركيز على المصالح العامة للبلاد، وهو ما قد يؤثر في فرصه إذا قرر خوض السباق الرئاسي.
بوروشينكو.. عودة صعبة إلى المشهد
يظل بيترو بوروشينكو، الرئيس الأوكراني السابق الذي تولى المنصب بين عامي 2014 و2019، حاضرًا في المشهد السياسي بصفته نائبًا معارضًا، رغم تراجع فرص عودته إلى الرئاسة مقارنة بالأسماء الأخرى المطروحة.
وخسر بوروشينكو انتخابات عام 2019 أمام زيلينسكي، في وقت كان فيه الناخبون يعبرون عن استيائهم من الفساد وتدهور الأوضاع الاقتصادية ونفوذ كبار رجال الأعمال، وهي ملفات واجهت إدارته صعوبات في التعامل معها خلال فترة حكمه.
كما واجه اتهامات بالخيانة وتمويل جماعات انفصالية في شرق أوكرانيا أواخر عام 2021، وهي اتهامات نفاها ووصفها بأنها ذات دوافع سياسية. وفي فبراير 2025، فرضت السلطات الأوكرانية عليه عقوبات شملت تجميد أصوله، معللة ذلك باعتبارات تتعلق بالأمن القومي.
وعلى الرغم من تبنيه توجهًا مؤيدًا للتقارب مع أوروبا، ترى ماذرز أن عودته إلى الرئاسة تبدو أقل ترجيحًا في ظل المنافسة المحتملة مع شخصيات ارتبطت أسماؤها مباشرة بإدارة الحرب والتصدي لروسيا.
الحرب تحسم مستقبل الرئاسة الأوكرانية
تظل فرص خلافة زيلينسكي مرتبطة بعدة عوامل متداخلة، في مقدمتها مسار الحرب الروسية الأوكرانية، وإمكانية التوصل إلى وقف لإطلاق النار، والظروف القانونية والأمنية اللازمة لإجراء الانتخابات، فضلًا عن قرار الرئيس الحالي بشأن الترشح لولاية جديدة.
وفي حين يتمتع زالوجني بأفضلية في مؤشرات الثقة الشعبية، يمتلك بودانوف وفيدوروف رصيدًا مستمدًا من أدوارهما الأمنية والعسكرية والتكنولوجية، بينما يواجه بوروشينكو تحديات مرتبطة بإرثه السياسي السابق.
وبين الضغوط الأمريكية المطالبة بتجديد القيادة السياسية والرفض الشعبي لإجراء الانتخابات في ظل استمرار الحرب، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت أوكرانيا ستتمكن من تنظيم انتخابات رئاسية آمنة، ومن سيكون الأقدر على كسب ثقة الناخبين في مرحلة ما بعد الحرب أو خلال مسار التسوية المحتمل.