أكدت مدير مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية الدكتورة إيمان شاكر، أن السيول التي شهدتها بعض مناطق محافظة البحر الأحمر وسيناء خلال الأيام الماضية، تتطلب تطوير منظومة متكاملة للإنذار المبكر وتعزيز الاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية و الرادارات الجوية و تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد السحب الرعدية وتحديد المناطق المعرضة للخطر؛ بما يسهم في رفع كفاءة التنبؤ بالسيول والحد من مخاطرها على الأرواح و الممتلكات.
وقالت الدكتورة إيمان شاكر - في حوار لوكالة أنباء الشرق الأوسط - إن توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد يسهم في متابعة تطور السحب الرعدية و تحليل مسارات الجريان السطحي وتحديد المناطق الأكثر عرضة للسيول؛ بما يدعم إصدار تحذيرات مبكرة و يساعد الجهات المعنية على اتخاذ الإجراءات الوقائية.
وأضافت أن مواجهة مخاطر السيول لا تقتصر على التنبؤ بالأمطار، بل تتطلب الربط بين المعلومات الجوية والبيانات الجغرافية والهيدرولوجية، وتطوير منشآت الحماية، ودمج خرائط المخاطر في التخطيط العمراني، إلى جانب رفع جاهزية أجهزة الطوارئ و تعزيز وعي المواطنين.
وردا على سؤال حول أسباب ارتفاع مخاطر السيول في سيناء و سلاسل جبال البحر الأحمر، أوضحت الدكتورة إيمان شاكر أن الجبال شديدة الانحدار و الأودية الجافة تجعل هذه المناطق أكثر عرضة للسيول، إذ تتحول الأودية إلى مسارات لجريان المياه عند سقوط أمطار غزيرة خلال فترات زمنية قصيرة.
وأشارت إلى ارتباط هذه الحالات بنشاط السحب الرعدية الناتجة عن عدم الاستقرار الجوي خاصة عند توافر الرطوبة والرفع الجوي المناسبين.. موضحة أن الخطورة تتزايد عندما تتركز كميات كبيرة من الأمطار على مساحة محدودة، فتندفع المياه بسرعة نحو الأودية والمناطق المنخفضة.
وأضافت أن الأمطار الغزيرة قد تؤدي إلى تجمع المياه في الشوارع والمنخفضات، بينما تتمثل السيول في جريان المياه على سطح الأرض واندفاعها من المرتفعات عبر الأودية ومجاري التصريف الطبيعية، وتتوقف خطورتها على كمية الأمطار وموقع سقوطها وطبيعة التضاريس وخصائص حوض التصريف وسرعة تجمع المياه، إذ قد تتجاوز المياه القدرة الاستيعابية للأودية و المنشآت المائية، بما يهدد الأرواح والطرق والممتلكات.
وردا على سؤال حول كيفية رصد السحب الممطرة وتحديد المناطق المحتمل تعرضها للسيول، أوضحت الدكتورة إيمان شاكر أن صور الأقمار الاصطناعية تتيح متابعة تطور السحب الرعدية و امتدادها وحركتها ودرجات حرارة قممها، بينما توفر الرادارات الجوية، عند توافر التغطية المناسبة، معلومات أكثر تفصيلا عن شدة الهطول وتوزيعه المكاني وحركة الخلايا الرعدية.
وقالت: إن دمج هذه البيانات مع نماذج التنبؤ العددي و بيانات التضاريس و نظم المعلومات الجغرافية، يساعد على تحديد الأحواض المائية والأودية الأكثر عرضة لتجمع المياه، وتحليل اتجاهات الجريان السطحي وتقدير امتداده.
وأكدت أن هذه التقنيات لا تحدد وقوع السيول بصورة مؤكدة بمفردها، لكنها تعزز دقة الرصد و التنبؤ عند دمج نتائجها مع النماذج الهيدرولوجية وبيانات سطح الأرض ؛بما يسمح بالانتقال من توقع الأمطار إلى تقدير آثارها المحتملة على المناطق و المنشآت المعرضة للخطر.
وحول المدة المتاحة للتنبؤ بالسيول، قالت الدكتورة إيمان شاكر: إنها تختلف باختلاف طبيعة الحالة الجوية ودقة النماذج وموقع المنطقة وتوافر البيانات الرصدية، إذ يمكن للتنبؤات الجوية الكشف عن الظروف الملائمة لتكوّن السحب الرعدية قبل الحدث بعدة أيام فيما تسمح متابعة الأقمار الصناعية والرادارات بتحديث التقديرات مع اقتراب الحالة أما التنبؤ ببدء جريان السيل في واد محدد، فقد تتقلص مهلته إلى ساعات أو أقل، وفقا لسرعة الاستجابة الهيدرولوجية للحوض.
وأوضحت أن الهيئة العامة للأرصاد الجوية تعمل على التنبؤ بالحالات الجوية قبل حدوثها بنحو 72 ساعة، وتحديث التنبؤات قبل الحالة بـ24 ساعة، مع المتابعة المستمرة أثناء حدوثها والتواصل مع غرف الأزمات و الكوارث بالمحافظات.
ولفتت إلى أن أبرز التحديات تشمل الطبيعة المفاجئة لبعض العواصف الرعدية، و التغير السريع في شدة الأمطار ومواقعها، وقلة محطات الرصد في بعض المناطق الصحراوية والجبلية، وصعوبة تمثيل التضاريس المعقدة بدقة في النماذج .. مؤكدة أن الإنذار المبكر الفعال يتطلب الجمع بين التنبؤ الجوي وتقدير جريان المياه وتحديد المناطق التي قد تتأثر فعليا.
وردا على سؤال حول دور الذكاء الاصطناعي في تحسين التنبؤ بالسيول، أوضحت أن دمج صور الأقمار الاصطناعية وبيانات الرادار ونماذج الارتفاعات الرقمية وشبكات الأودية وسجلات الأمطار السابقة وبيانات استخدامات الأراضي، يتيح بناء نماذج تساعد على تحديد مسارات الجريان السطحي والمناطق المحتمل تعرضها للغمر.
وقالت : إن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط المتكررة للحالات السابقة، وتحسين تقدير شدة الأمطار واحتمالات تجمع المياه، وتحديد النقاط الأكثر عرضة للتأثر مثل الطرق و التجمعات السكنية و المنشآت الحيوية.
وأشارت إلى أن هذه التقنيات تدعم إعداد خرائط لمستويات الخطورة وتطوير نظم إنذار مبكر قائمة على التأثيرات بحيث توضح التحذيرات المناطق والمنشآت المحتمل تأثرها والإجراءات الواجب اتخاذها، بدلا من الاكتفاء بتوقع سقوط الأمطار..مشددة على ضرورة اختبار نماذج الذكاء الاصطناعي والتحقق من دقتها باستخدام بيانات فعلية وحالات سابقة، ودمجها مع النماذج الفيزيائية والهيدرولوجية لضمان موثوقية نتائجها.
وحول فعالية السدود والبحيرات الصناعية والحواجز في مواجهة السيول .. أجابت بأن هذه المنشآت تمثل حلولا هندسية مهمة لإبطاء حركة المياه وتجميع جزء منها وتقليل اندفاعها نحو المناطق السكنية و الطرق و المنشآت الحيوية.
وأوضحت أن كفاءة منشآت الحماية تعتمد على دقة اختيار مواقعها وسعاتها التصميمية وقدرتها على استيعاب كميات المياه المتوقعة، إلى جانب الصيانة والتطهير الدوريين ومراعاة سيناريوهات الأمطار الشديدة والتغيرات المحتملة في أنماط الهطول.
وقالت إن بيانات الاستشعار عن بُعد ونماذج الارتفاعات الرقمية تساعد على تحليل أحواض التصريف واتجاهات الجريان ومناطق تجمع المياه، وتحديد المواقع ذات الأولوية لإنشاء المنشآت، بالتكامل مع بيانات الأمطار التاريخية وخصائص التربة والتوسع العمراني والتنبؤات المستقبلية.
وأكدت أن الحماية لا تتوقف عند إنشاء المنشآت بل تشمل متابعة حالتها وصيانتها والحفاظ على مجاري الأودية ومنع التعديات عليها، ووضع خطط للتعامل مع احتمالات تجاوز السعات التصميمية.
وفيما يتعلق بالتخطيط العمراني، أوضحت أن خرائط المخاطر تساعد على تحديد مسارات الأودية الطبيعية و اتجاهات انحدار الأراضي وأحواض التصريف والمناطق المنخفضة، بما يتيح توجيه التوسع العمراني بعيدا عن مسارات السيول واختيار مواقع مناسبة للتجمعات السكنية و المنشآت الحيوية والطرق.
وقالت إن هذه الخرائط يمكن استخدامها في مراجعة اشتراطات البناء و التراخيص بالمناطق المعرضة للخطر، ووضع ضوابط للمنشآت التي يصعب نقلها أو تتمتع بأهمية استراتيجية، مع تحديث الخرائط دوريا لرصد تغيرات استخدامات الأراضي و التوسع العمراني و التعديات على مجاري الأودية.
وحول تأثير التغيرات المناخية في شدة السيول وتكرارها في مصر .. أفادت الدكتورة إيمان شاكر بأن ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي يزيد قدرته على الاحتفاظ ببخار الماء وهو ما قد يؤدي، عند توافر الظروف الجوية المناسبة إلى زيادة شدة الأمطار في بعض الحالات والمناطق.
وشددت على ضرورة التمييز بين إمكانية زيادة شدة بعض الأحداث المطرية و إثبات وجود اتجاه طويل الأجل نحو زيادة تكرار السيول في مصر، إذ تختلف التأثيرات باختلاف المناطق والفصول والأنظمة الجوية.
وقالت إن تقييم هذه التأثيرات يتطلب تحليل السجلات التاريخية للأمطار، ورصد التغيرات في شدة الهطول خلال الفترات القصيرة وتكرار الحالات المتطرفة، ودراسة بيانات الأقمار الاصطناعية ومحطات الرصد ومقارنة نتائج النماذج المناخية و الإقليمية.
ولفتت إلى أن تغير استخدامات الأراضي والتوسع العمراني وتدهور الغطاء النباتي قد تزيد حجم الجريان السطحي حتى دون حدوث تغير واضح في كميات الأمطار ؛ مما يستدعي الجمع بين تقييم المخاطر المناخية وتحليل الخصائص الجغرافية والهيدرولوجية عند وضع خطط الحماية والتكيف.
وردا على سؤال حول جاهزية منظومة إدارة الأزمات للتعامل مع السيول المفاجئة، أجابت الدكتورة إيمان شاكر بأن الاستعداد يعتمد على تكامل الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر مع سرعة الاستجابة الميدانية، ووضوح المسؤوليات وتوافر خطط مسبقة لمختلف السيناريوهات.
وقالت الدكتورة إيمان شاكر، إن الاستعداد يبدأ بحصر التجمعات السكانية والمنشآت الحيوية والطرق المعرضة للخطر، وإعداد خطط إخلاء تتضمن مسارات آمنة ومناطق مرتفعة ومراكز إيواء مجهزة، مع إعطاء الأولوية لكبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة والسائحين غير الملمين بطبيعة المنطقة.
وأشارت إلى أهمية إجراء تدريبات ومحاكاة دورية بمشاركة الهيئة والوزارات المعنية والمحافظات وغرف الأزمات والحماية المدنية والإسعاف، وتحديد آليات واضحة لتبادل المعلومات وتفعيل غرف العمليات وفق مستويات الخطورة، مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية لتحديد المناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل وتوجيه فرق الإنقاذ والموارد المتاحة.
وأكدت ضرورة التنسيق بين الجهات المعنية، موضحة أن الهيئة العامة للأرصاد الجوية تتولى رصد الظواهر الجوية و إصدار التنبؤات والتحذيرات، بينما تسهم وزارة الموارد المائية والري في إدارة المنشآت المائية ومتابعة الأودية وأعمال الحماية فيما تتولى المحافظات والأجهزة التنفيذية تنفيذ خطط الاستعداد وتأمين الطرق والمناطق المعرضة للخطر.
وشددت على أهمية متابعة التحذيرات الرسمية والابتعاد عن مجاري الأودية ومخرات السيول وعدم التخييم فيها أثناء عدم الاستقرار الجوي وعدم عبور الطرق التي تجري فيها المياه سيرا على الأقدام أو بالسيارات، مع تجنب تجمعات المياه و المنحدرات الجبلية و الالتزام بتعليمات الجهات التنفيذية و الحماية المدنية، وعدم العودة إلى المناطق المتضررة قبل التأكد من سلامتها.
وحول إمكانية الاستفادة من مياه السيول، قالت مدير مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية الدكتورة إيمان شاكر، إن حصاد مياه الأمطار والسيول يمثل فرصة لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية، شريطة إجراء دراسات فنية تحقق التوازن بين تخزين المياه و الحد من مخاطر اندفاعها.
وأوضحت أن بعض مناطق مصر خاصة سيناء وسلاسل جبال البحر الأحمر، تتمتع بإمكانات لحصاد المياه من خلال السدود والحواجز والبحيرات الصناعية المصممة لتجميع المياه أو إبطاء جريانها، وفقا لطبيعة كل حوض مائي وخصائصه الهيدرولوجية.
وأضافت أن المياه المخزنة يمكن استخدامها في دعم بعض الأنشطة الزراعية و التنمية المحلية، وتوفير المياه للاستخدامات المناسبة بعد التحقق من جودتها ومعالجتها عند الحاجة، فضلا عن تعزيز تغذية الخزانات الجوفية في المواقع التي تسمح ظروفها الجيولوجية والهيدرولوجية بذلك.
وأكدت ضرورة تحديد كميات المياه المتوقع تجميعها وخصائصها والسعات التخزينية المناسبة من خلال دراسات متخصصة، مع مراعاة متطلبات السلامة و الحفاظ على كفاءة منشآت الحماية.
واختتمت مدير مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية الدكتورة إيمان شاكر بالتأكيد على أن الحد من مخاطر السيول يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين دقة التنبؤات الجوية والتحليل الجغرافي والهيدرولوجي والتكنولوجيا الحديثة و التخطيط العمراني السليم، مشددة على أن نجاحها يرتبط بالتنسيق بين الجهات المعنية وجاهزية البنية التحتية والتزام المواطنين بالتعليمات والتحذيرات الرسمية.