التصدع الاجتماعي ليس شأنًا هامشيًا يعالج في هامش الخطط، بل هو صلب الأمن القومي وجوهره. فالأمم لا تسقط حين تخترق حدودها، بل حين تتصدع أسرها من الداخل.
ولا تُقاس قوة الدولة بعدد الجنود والعتاد فقط، فالأدق والأخطر هو تماسك أسرتها. فما قيمة حصون مشيدة على رمال متحركة من القلوب المنكسرة والبيوت الممزقة؟
أما ما تشهده محاكم الأسرة اليوم، فليس نزاعًا بين رجل وامرأة، بل هو نزيف صامت في جسد الوطن. فوفقًا للنشرة السنوية لإحصاءات الزواج والطلاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجلت مصر 273,892 حالة طلاق عام 2024، مقابل 265,606 حالات عام 2023، بزيادة بلغت 3.1%. وفي القلب من هذه النزاعات أطفال يدفعون وحدهم الثمن.. طفل يُحرم من أبيه خمسة عشر عامًا بدعوى الحضانة، ثم يُطلب منه بعد ذلك أن يكون مواطنًا سويًا محبًا لوطنه!! وأب يُختزل دوره في ممول، يُمنع من التربية والتوجيه، ثم يُلام على قلة انتمائه!! وأم تُترك معلقة بين أروقة المحاكم، تنتظر نفقة تأتي بعد حين، فتتحول من صانعة أجيال إلى أسيرة حاجة!!
أليس هذا هو التصدع بعينه؟
إن أخطر ما في هذا التصدع أنه يتسلل رويدًا رويدًا حتى يتفشى كوباء يصعب مواجهته... إن طفلًا يكبر وهو يرى أباه ثلاث ساعات في الأسبوع، وأب يلهث نحو هذه الرؤية المهينة في مركز شباب تحت نظر الغل والحقد بعيون تراقبه، فلا لوم عليهما إن ظنا أن الأبوة عقوبة.. وأن القانون يعاقب بلا جريمة..
إننا بحاجة إلى أن ننظر إلى قانون الأحوال الشخصية لا بوصفه قانونًا للمرأة أو للرجل، بل بوصفه قانونًا لحماية الأمن القومي الاجتماعي.
ونكرر دومًا.. لحفظ هذا الأمن ينبغي اتباع أصول لا محيد عنها، أولها الرعاية المشتركة لا الحضانة المنفردة.. فالطفل ليس غنيمة يظفر بها طرف ويخسرها آخر، بل هو أمانة تحتاج إلى حضن الأم وكتف الأب معًا. وقد أجمع أهل العلم والطب النفسي على أن حرمان الطفل من أحد والديه يورث خللًا لا يبرأ. فالاستضافة حق للطفل قبل أن تكون حقًا للأب.
وثانيها العدالة الناجزة.. إن تأخير الفصل في قضايا الأسرة ليس إجراءً، بل هو ظلم مقيم. فما معنى حكم يأتي بعد أن يكون القلب قد يئس؟ يجب العمل على العدالة الناجزة في قضايا الأسرة، وأن يسبقها صلح حقيقي يرمم ولا يهدم.
وثالثها المصلحة الفضلى للطفل كمعيار موضوعي. فتقييم المصلحة الفضلى ليس شعارًا إنشائيًا، بل حق الطفل في كلا الوالدين، واستقراره التعليمي والنفسي، وعدم استخدامه كأداة انتقام.. ولن يتحقق إلا بالرعاية المشتركة وتخفيض سن الحضانة، فحضانة الأم للطفل حتى 15 سنة، ثم تخيير الطفل. فقد أثبتت دراسات المجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (2022) أن 71% من أطفال الشقاق الذين حرموا من الأب لفترات طويلة يعانون اضطرابات تواصل وانتماء. وإن تحويل الأب إلى مجرد زائر يخل بمبدأ التنشئة المتوازنة، وهو ما يتعارض مع المادة 18 من اتفاقية حقوق الطفل التي تنص على مسؤولية الوالدين المشتركة، ودعم الدولة للوالدين ..
إذا أردنا وطنًا متماسكًا، فعلينا أن نبدأ من الأسرة والطفل، فإذا تصدعت البيوت، فلا حدود محروسة، ولا وطن آمن.