مع اقتراب انتهاء برنامج التمويل الحالي بين مصر وصندوق النقد الدولي في 15 ديسمبر 2026، تتزايد التساؤلات حول مستقبل العلاقة بين الجانبين، وما إذا كانت القاهرة ستتجه إلى اتفاق تمويلي جديد، أم ستعتمد على مصادر بديلة لتوفير العملة الأجنبية والوفاء بالتزاماتها الخارجية، في ظل احتياجات الاقتصاد إلى تدفقات دولارية مستدامة.
وفي هذا السياق، توقع الدكتور ياسر حسين سالم، محاضر بالجامعات الخاصة والدولية، استمرار التعاون بين مصر وصندوق النقد الدولي من خلال برنامج جديد، معتبرًا أن احتياجات التمويل الخارجي تمثل أحد الأسباب الرئيسية التي قد تدفع إلى هذا الاتجاه.
وأوضح سالم أن أهمية التعاون مع الصندوق لا تقتصر على الحصول على شرائح التمويل، بل تمتد إلى ما وصفه بـ«شهادة الثقة» التي تمنحها موافقة المؤسسة الدولية على برنامج الإصلاح الاقتصادي، بما يساعد الدولة على تعزيز قدرتها على الاقتراض والتفاوض مع جهات التمويل الأخرى.
وأضاف أن وجود برنامج مع صندوق النقد يمنح المؤسسات الدولية والممولين مؤشرات على التزام الدولة بمسار الإصلاح وقدرتها على إدارة مواردها وسداد التزاماتها، وهو ما ينعكس على فرص الحصول على تمويلات من مصادر أخرى.
هل يمكن الاستغناء عن تمويل الصندوق؟
وفيما يتعلق بالبدائل المتاحة حال عدم التوصل إلى برنامج جديد، حدد سالم مجموعة من المسارات التي يرى ضرورة التركيز عليها، في مقدمتها ترشيد الإنفاق على المشروعات الكبرى، بما يتيح توجيه مزيد من الموارد الدولارية إلى سداد الالتزامات الخارجية، والعمل على خفض أعباء الدين تدريجيًا.
وشدد على أن زيادة الصادرات تمثل أحد أهم مصادر توفير العملة الأجنبية، داعيًا إلى استعادة الطاقة الإنتاجية للمصانع المغلقة ومساندة المنشآت المتعثرة، حتى تتمكن الصناعة المصرية من زيادة إنتاجها وفتح أسواق جديدة أمام منتجاتها.
وأشار إلى أن الوصول إلى صادرات بقيمة 60 مليار دولار يمثل هدفًا مهمًا من وجهة نظره، بينما يتطلب تحقيق مستهدفات أكبر، مثل 100 مليار دولار للصادرات الصناعية و150 مليار دولار للصادرات السلعية والخدمية، توسعًا حقيقيًا في الإنتاج وتعميق التصنيع المحلي وزيادة دور القطاع الخاص.
سعر الصرف وتحويلات المصريين بالخارج
وأكد سالم أهمية استمرار مرونة سعر الصرف، معتبرًا أنها عامل مؤثر في تشجيع المصريين العاملين بالخارج على تحويل مدخراتهم عبر القنوات الرسمية، والحد من توجه التدفقات إلى السوق الموازية.
ولفت إلى أن تحويلات المصريين بالخارج تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، وقد سجلت نحو 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025/2026، وفق بيانات أعلنها مجلس الوزراء، وهو ما يعكس أهمية الحفاظ على تدفق هذه التحويلات وتعزيز الثقة في الجهاز المصرفي.
كما دعا إلى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدلًا من الاعتماد بصورة كبيرة على التدفقات قصيرة الأجل، موضحًا أن الاستثمار المطلوب هو الذي يتجه إلى إنشاء المصانع والمشروعات الإنتاجية والسياحية والزراعية، ويوفر فرص عمل ويضيف طاقة إنتاجية للاقتصاد، وليس الأموال التي تدخل لفترات قصيرة ثم تغادر سريعًا.
قناة السويس والسياحة.. مصادر إضافية للدولار
وتطرق الخبير الاقتصادي إلى أهمية التهدئة الإقليمية باعتبارها عاملًا مساعدًا على تعافي حركة الملاحة في قناة السويس، بما ينعكس على إيراداتها من النقد الأجنبي، إلى جانب ضرورة تعظيم العائد من قطاع السياحة.
وأوضح أن السائح لا يقتصر إنفاقه على الإقامة الفندقية، بل يمتد أثره إلى قطاعات متعددة، تشمل الطيران والنقل والمطاعم والأسواق والبازارات والأنشطة الترفيهية والمواقع السياحية، بما يجعل السياحة من الأنشطة ذات التأثير المتشعب في الاقتصاد.
واختتم سالم رؤيته بالتأكيد على أن تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي يتطلب زيادة الإنتاج والصادرات والاستثمار المباشر، إلى جانب تنمية موارد السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج، معتبرًا أن هذه المسارات مجتمعة يمكن أن تعزز قدرة الاقتصاد المصري على توفير احتياجاته الدولارية والوفاء بالتزاماته.

الاستاذ الدكتور / ياسر حسين سالم
محاضر بالجامعات الخاصة والدولية


