مشرف آثار الأزهر يكشف التفاصيل الكاملة لترميم «الجامع».. ويؤكد: السعودية لم تبخل بشيء.. وراعينا تاريخه كأثر.. والوزارة صححت أخطاء فادحة في ترميمات سابقة
قال محمد عبد الفتاح محمد، المشرف العام على منطقة الأزهر والمشرف الأثري على مشروع ترميم الجامع الأزهر، أن الجامع خضع خلال زمنه الطويل الذى يتجاوز الألف عام للكثير من أعمال الصيانة والترميم، لكن كان اهمها علي الإطلاق ثلاثة أعمال وترميمات كبري.
أوضح "محمد" في تصريحات خاصة لموقع "صدى البلد": أن أول ترميم حدث أيام الخديوي عباس حلمي الثاني أواخر القرن التاسع عشر، ثم أعمال الترميم التي حدثت أيام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في سبعينات القرن العشرين،ثم ترميم سيئ السمعة عام ١٩٩٨م، ثم جاء الترميم الحالي الذي أتشرف بأني عضوا فيه، وهو أول ترميم علمي وأثري موثق منذ بدايته حتى نهايته، وتم تحت إشراف كامل من وزارة الآثار.
وقال: هذا عكس الترميمات السابقة التي لم يصلنا منها اي معلومات أو توثيق، ولنا أن نتخيل أن مشروع الترميم الذي تم ايام عبد الناصر لم تصلنا منها ورقة واحدة، أما المشروع الحالي فقد سبقته دراسة استغرقت حوالي عام وثلاث أشهر، ثم بدأت أعمال الترميم الفعلية بعد ان تمت الموافقة على أعمال الدراسة من قبل اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية، ومن جانبنا كنا نشرف على تنفيذ المقايسة التي تمت الموافقة عليها من اللجنة الدائمة.
وأشار إلي أنه كانت هناك لجنتين من وزارة الآثار تتابعان المشروع، اللجنة الأولي هي لجنة الإشراف وفيها أثري ومرمم ومهندس واللجنة الثانية هي لجنة المتابعة،وكان أصعب شئ في عملية الترميم الحالية إزالة وتصويب أخطاء الترميم التي حدثت في عام ١٩٩٨م،حيث أننا كنا نعاني منها أثناء عملنا.
وتابع: على سبيل المثال حدث في ترميم ١٩٩٨م ان قامت الشركة المنفذة بعمل بياض أسمنتي في بعض أجزاء المسجد، مثل الصحن و المدرسة الأقبغاوية وغير ذلك، والمعروف ان الأسمنت مادة لا تتناسب مع الآثار نظرا لأضرارها على الجدران، وكان سمك هذا البياض في بعض الأماكن يزيد عن ١٥ سم وهو سمك كبير،فتوجب علينا فك أطنان منه وإعادة البياض طبقا للمواصفات الأثرية والفنية.
واستطرد: وكان أصعب تحدي بالنسبة لنا هو فك جميع البياض الأسمنتي الحديث بصحن الجامع،دون المساس بالزخارف والكتابات الفاطمية الأثرية والتي كانت متداخلة مع البياض الأسمنتي،وتم بالفعل عمل دراسة تسليح وصلب الزخارف الأثرية ثم فك البياض الأسمنتي التي تمت بنجاح دون حدوث أي أضرار للزخارف.
وردا علي ما أثير عن أن الترميم الحالي أضر بالأرضية الخاصة بالمسجد وأنه تم استبدالها ببورسلين، قال أن هذا الكلام غير صحيح ومن يردده غير متخصص، مؤكدا أن الأرضية الجديدة في الترميم الحالي ليست بورسلين، إنما هي نوع من الرخام المعروف برخام التاسوس وهو المستخدم في أرضية الحرم المكي الشريف، مع العلم أن الرخام الذي كان موجود مسبقا وتم فكه ضمن أعمال ترميم عام ١٩٩٨م.
وقال أن رخام 1998 كانت به مشاكل كثيرة خاصة في مواصفاته الفنية،ففي فترة الصيف من سابع المستحيلات ان يستطيع شخص المشي على هذا الرخام، حيث يتميز امتصاصه وتخزينه لأشعة الشمس لفترات طويلة، مما يجعل من الصعوبة السير عليه أو الصلاة في الصحن خاصة أيام الجمعة، حيث يمتلئ بيت الصلاة بالداخل فيلجأ الناس إلى الصلاة في الصحن، أما رخام التاسوس الموجود حاليا بمواصفات فنية أفضل بكثير لأنه لا يمتص الحرارة.
وكشف أن الرخام السابق تم فيه إغفال مبدأ هندسي هام،وهو عدم وجود فواصل التمدد والانكماش، الأمر الذي كان يجعله ينفصل عن الأرض في وقت التمدد والانكماش، وكان يتم تغيير بعض أجزاء منه سنويا،وكان لا يمر عام إلا وتخضع أرضية الجامع لعملية إحلال واستبدال بعض الوزرات الرخامية التي انفصلت، أما الرخام الحالي فقد روعي فيها عمل فواصل التمدد والانكماش بصورة جيدة.
وأوضح أن تكلفة المشروع كانت منحة مفتوحة من الملك السعودي الراحل، موجهة إلى مؤسسة الأزهر الشريف وليس إلى وزارة الأثار، والمملكة العربية السعودية لم تبخل علي الجامع بأي شيئ، خاصة أن المشروع لم يكن للترميم فقط، وكان هناك مشروع لعمل دورات مياة جديدة بدلا القديمة الموجودة خارج المسجد، فتم هدم الدورات السابقة وبناء دورات حديثة أكبر وأوسع من السابقة، وذلك لاستيعاب أكبر عدد ممكن من رواد المسجد.
وتابع قائلا: وقد روعي في تصميم هذه الدورات أن تكون على الطراز المعماري الإسلامي، وذلك حتي تتماشي مع طبيعة الأثر المقابل لها، كما تم ترحيل هذه الدورات إلى جامعة الأزهر الملاصقة للجامع، حيث تم استقطاع جزء من حرم الجامعة وأدخل ضمن حرم الجامع لإنشاء هذه الدورات، كما تمت أعمال تطوير المحيط الخارجي للمسجد بعمل أحواض زرع من الناحية الجنوبية الغربية، كما روعي ولأول مرة عمل ممرات منزلقة ومسارات زيارة لرواد المسجد من ذوي الحالات الخاصة والمعاقين لتسهيل زيارتهم للمكان.
وقال: من ضمن المشروعات التي شهدها الجامع مشروع إحلال وتجديد شبكات الكهرباء بالمسجد بدلا من الشبكات القديمة المتهالكة، وزيادة طاقتها الإنتاجية من الكهرباء، بالإضافة إلى إنارة الجامع بالشكل المناسب، والذي يتيح معه إظهار بانورما الجامع من الداخل والخارج، وإظهار قيمته الجمالية لرواده، كما روعي في وحدات الإضاءة التي تم تركيبها، بحيث تكون طبقا للشكل الأثري المعتمد في كل عصر، فمثلا في المدارس المملوكية تم تركيب المشكاوات والتنانير طبقا للشكل المملوكي، والأماكن التي ترجع للعصر الفاطمي تم تركيب المشكاوات ووحدات الإضاءة التي التي تتطابق مع هذا العصر، والشركة التي قامت بإعداد دراسة إنارة الجامع تعد من كبرى الشركات العالمية الهولندية المتخصصة في هذا المجال، وهي بالمناسبة نفس الشركة التي قامت بتنفيذ مشروع الصوت والضوء بأهرامات الجيزة ومشروع إنارة برج القاهرة.
وعن مشروع صرف الجامع الأزهر، قال: تم تغيير شبكات الصرف القديمة والمتهالكة بالكامل، والتي كانت تطفح باستمرار خاصة بعد سقوط الأمطار، الأمر الذي كان يعاني منه صحن المسجد الذي تتجمع فيه مياه الأمطار، ويصبح مثل البركة لعدم تصريف المياه بصورة جيدة،بسبب انخفاض مستوي الجامع عن الشارع بحوالي متر ودخول مياه الشارع للمسجد،فتم تغيير شبكات الصرف بأخرى جديدة وتم عمل شبكة مثل الحزام حول الجامع من الخارج من جميع الجهات، وذلك لمنع دخول المياه من الخارج للداخل.