ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
ads
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
مدير التحرير
صفاء نوار

أردوغان والسيرك الشرق أوسطي

محمد أرسلان

محمد أرسلان

السبت 09/فبراير/2019 - 10:46 ص
حقيقة ينبغي علينا قبولها وإن كان لها طعم المرارة وهي أنه بعدما كان الشرق الأوسط منبع الثقافات والأديان والعلوم ومهد البشرية، والتي كان يقصدها كل طالب فلسفة وعلم، تحولت هذه المنطقة بفعل عوامل ذاتية وموضوعية إلى مسرح لسيرك يضحك فيها المهرج الحضور علَّهم ينسون الماضي ويجعلهم يعيشون حالة هستيرية من الفرح والمرح حتى ينتهي العرض الذي يتم تقديمه ليقوم مهرج آخر بمتابعة المهمة واشغال الجمهور بأمور ليست لها أية روابط مع الواقع والحقيقة المجتمعية، بل هي فقط لإضحاك عينة ممن يدعون انهم وحدهم الذين يفهمون الحياة بكل متطلباتها وما الذي يقع على عاتقهم.

هذا هو الواقع الأليم الذي نعيشه منذ قرونٍ عدة، لا ننتج أي شيء مفيد لنا أو للآخر سوى المزيد من المصائب والويلات وظواهر اللطم والبكائيات على ماضٍ تولى ولن يعود كما نريده سوى في مخيلتنا التي تم نسجها من قِبل النظم المتحكمة في هذا المسرح والسيرك الشرق أوسطي.

آخر المهرجين الهزليين وأفضلهم ممن لعب دوره بإتقان لأسياده من ناهبي ثقافات وخيرات الشعوب والذي كان بلا منازع طيلة أكثر من عقدين من الزمن هو المهرج السيد رجب طيب أردوغان، الذي جاء إلى الحكم في بدايات الألفية الثانية ليقوم ما أُوكل إليه من مهام في القضاء على أي فكرة تنمو بشكل حر أينما كانت، حيث إنه استمر وبشكل أشد وحشية وإن اختلفت الأساليب في هجماته على الكرد في الداخل ولم يسلم من لا المدنيين ولا السياسيين الكرد حتى وصل به الأمر بعد لعبة الانقلاب للقضاء على كل من يخالفه مجرد الرأي ولا يهمه إن كان كرديًا أو تركيًا، وكان المهم بالنسبة له أن يبقى متربعًا على كرسي السلطة أكبر فترة ممكنة لتحقيق أوهامه في استرجاع ما يمكن تسميته مهزلة الخلافة العثمانية من جديد.

وحتى أنه يمكن القول أنه في فترة حكم أردوغان تم بناء مئات السجون لتستوعب المخالفين له بالرأي وأغلق مئات وسائل الإعلام وشكل المؤسسات الأخرى حسب أهوائه مثل القضاء والدين والاقتصاد والبناء والسياسة وغيرها من المؤسسات التي تحولت إلى فروع خاصة تخدم وتطيع أوهام أردوغان. ليس فقط الكرد لم يسلموا من عنجهية وظلم وخداع أردوغان. إذ، حتى ما سمي بثورات الربيع عمل على تمييعها وأخراجها من أهدافها الحقيقة التي خرجت من أجلها وهي الكرامة والحرية، وبات جلَّ ما يفكرون به هو كيفية بيع الشعوب في سوق النخاسة لكسب المزيد من المال والشهرة والسلطة، أما الشعوب فلتذهب للجحيم. هكذا كان المعلم المهرج أردوغان وتشبَّه به مرتزقته وأقزامه ممن كانوا يقودون الثورة المضادة، إن كان في سوريا أو العراق أو ليبيا وكذلك الصومال وغيرها من الدول.

لم يسلم الفلسطينيون من خداع أردوغان أيضًا والذي كان لهم هو الذي سيحررهم من الصهاينة في نهاية الأمر، وتبقى المشكلة ليست في أردوغان بقدر ما هي في ممن كانوا وما زالوا يصدقونه على أنه خليفة المسلمين الأخواني الذي سيحقق لهم كل ما يتمنونه. لكن في الحقيقة كانت وما زالت له وظيفة واحدة وهي حماية أمن اسرائيل حتى أكثر من أمريكا وبريطانيا أنفسهم.

المهرج أردوغان لعب لعبته الشهيرة في دافوس وبعدها كانت سفينة مرمرة بشكل جيد وكأنه راح يفتح القدس من البحر ويحرر غزة من الحصار الذي كانت تعيشه، لكن في الحقيقة التي كانت عكس ذلك تمامًا وكأن مشكلة الفلسطينيين وشعب غزة هي فقط بإيصال الغذاء والدواء لهم وليست مسألة أرض وشعب تم تهجيرهم والقضاء على أحلامهم في العيش في وطن مشترك يتسع للكل. اختزال قضية شعب مقدسة وتصييرها مسألة أكل ودواء هو أكبر خداع في التاريخ المعاصر الذي قامت به الرأسمالية المتوحشة للقضاء على أي فكرة كرامة وحرية. هذا ما فعلوه في الفلسطينيين والآن على الشعب السوري في المخيمات والداخل أيضًا وكذلك في ليبيا واليمن السعيد. ولا ننسى الحصار المطبق من كل الجهات على روج آفا والشمال السوري لإركاع الشعب وجعلهم يتوسلون العدو بسلة غذائية أو قطرة دواء أو تحميلة "كبسولة" يشفي بها مرضه، متناسين أن أسباب المرض هم أنفسهم الذي يجوعون الشعوب لإذلالها وكسر إرادتها.

وآخر ما تفتق به المهرج أردوغان هو استقباله للأعضاء العرب من الكنيست الاسرائيلي وكأنه سوف يحثهم على مواصلة النضال والكفاح ضد اسرائيل وحقنهم ببعض الشعارات الدينية كي يستثمر بهم أكثر على اساس أنَّ القضية الفلسطينية هي التجارة الرابحة والرائجة في المنطقة منذ عدة عقود وحتى الآن ومعظم النظم استثمرتها لمصالحها هي على حساب الفلسطينيين انفسهم الذين كانوا الضحية الأولى لهؤلاء الساسة والمهرجين.

وتيبقى جغرافية ميزوبوتاميا التي كانت مهد الحضارات البشرية وكذلك الشعوب التي تقطنها هي السبب في فضح أردوغان وخداعه للشعوب والقضاء على أوهامه في أن يصبح سلطانًا عثمانيًا باصدار جديد. الثورة الفكرية التي يقودها الكرد والعرب والتركمان والآشوريين على هذه الأرض هي من ستدق المسمار الأخير في نعش السيرك الهزلي للشرق الأوسط وتعرية المهرجين في هذا السيرك والقضاء عليهم. 

الدكتاتورية والشوفينية وداء العظمة هذه الأمراض التي أصابت النظم المتسلطة على الشعوب أكثر ما تخشاه هو أن تكون هناك ثورة فكرية مضادة لها تعمل على لملمة ما تبقى من ثقافات مجتمعية لجعلها النواة للعيش المشترك وأخوة الشعوب بعكس ما يعمل عليه المهرجون منذ مئات أو ألاف السنين. الأمة الديمقراطية التي طرحها السيد أوجلان ربما ستكون الأمل الأخير لخروج الشعوب من مهزلة المهرجين والملوك العراة تلك.
ads