ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

كنافة معاوية وقطايف الأمراء

أحمد نجم

أحمد نجم

الخميس 09/مايو/2019 - 10:19 ص
تأتى نفحات شهر رمضان المبارك وبها نسمات تهفو لها النفس، وذكريات لا تزال تتعلق فى الذهن منذ الصغر، رمضان فى مصر له طعم آخر خاصة فى المدن والقرى، كنا ونحن صغار نحرص على تزيين الشوارع بالزينات، التى كانت عبارة عن أوراق الكراسات القديمة يعاد تشكيلها بأشكال مختلفة، ويتم لصقها بعجين فى خيط كبير لتتكون منها شريط جمالى.

كنا نتجمع قبل الشهر بأيام قليلة وكانت اللمة الحلوة نعلق الزينات بين المنازل فى الشارع الذى كنا نقطن به لتبدو كرباط يزيد أواصر العلاقة الإنسانية بيننا ترابطا أكثر وأكثر، وهكذا كانت كل شوارع المنطقة، ومع مرور الوقت تحولت تلك الصناعة الطفولية إلى زينات جاهزة تباع فى المحلات بأشكال مختلفة، بالإضافة إلى تعليق الفانوس فى بلكونة الشقة، حيث كنا نحرص على إضاءة الفانوس بمجرد أذان المغرب، وحتى أذان الفجر ليظل يعلن عن الفرحة بشهر رمضان المبارك، وهى عادة مازلت أحرص عليها حتى الآن، وأورثتها لنجلى حسام، لكنه مثل جيله لا يحرص عليها بنفس القدر الذى كنا عليه، لأنهم جيل افتقد تلك اللمة الحلوة التي كانت تجمعنا من قبل.

وارتبط ظهور الفانوس فى مصر منذ عام 362 هـجرية 972 ميلادية، عندما ازدانت شوارع مصر بالفوانيس ابتهاجًا لانتظار وصول الخليفة الفاطمى المُعزّ لدين الله إلى القاهرة التي اختارها لتكون عاصمة لخلافته، ولأن المصريين معروف عنهم الكرم وحفاوة الاستقبال، فقد خرج أهلها لاستقباله عند مشارف الجيزة بالفوانيس وكلمات الترحيب، وكان ذلك فى الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، وازدانت الشوارع بالفوانيس التى كانت تستخدم فى الإضاءة فى طريق عودة الخليفة الفاطمى حتى قصره الذى أقام فيه، حينها كانت المرأة المصرية ممنوعة من الخروج من البيت، فسمح لها باستقبال الخليفة على أن يسير أمامها طفل يحمل الفانوس ليعلن أن الطريق خط أحمر ممنوع الاقتراب منه للرجال، ومن حينها اعتاد المصريون استخدام الفانوس ليكون علامة من علامات الاحتفال بالشهر المبارك.

وفى الأيام الأولى من الشهر الكريم، أذكر أننا كنا نحمل الفوانيس ونحن أطفال نغنى فى المنطقة المحيطة بمنزلنا: رمضان جانا إدونا العادة، ونطرق أبواب الجيران الذين كانوا يقذفون علينا الحلوى، وأحيانًا كانت إحداهن تقوم بتوزيع العصائر علينا وبعض الحلوى، وتبقى أغانى الاحتفال برمضان لها طعم ومذاق خاص، خاصة الأغنية الشهيرة وحوى يا وحوى إياحة أو إيوحه، وهى كلمات لها تاريخ فى العصر الفرعوني، فكلمة وحوى تعنى كلمة الترحيب مرحبا، وكانت تتداول كلمات الأغنية قديما للترحيب بالسيدة قمر الزمان، وهى أم الملك أحمس، والتى كانت نموذج للمرأة المصرية التى ساهمت فى صناعة وصياغة التاريخ، واسمها الأصلي إياح حتب ومعناها الفرعوني: "قمر الزمان" أم الملك أحمس قاهر الهكسوس، التى كان يدللها المصريون القدماء بكلمة إياحة أو إيوحة، وغنوا لها نظرًا لبطولتها فى القضاء على الهكسوس مع ابنها أحمس وطردهم من مصر فى القرن ١٨ ق. م، عندما غزا الهكسوس مصر من الشمال للجنوب، وشجعت الملكة إياح حتب زوجها الملك تاعا لمحاربة الهكسوس، غير أنه قتل فى المعركة، وقدمت ابنها الأكبر وقتل أيضا وزرعت فى نجلها الثانى أحمس شجاعة المواجهة، وتم تدريب وتجميع المصريون واستخدام وسائل حربية مختلفة عما يملكه الهكسوس، واستطاع أحمس طرد الهكسوس من مصر بفضل تشجيع أمه، فخرج المصريون القدماء للاحتفال بالنصر العظيم والملكة الأم إياح حتب مستخدمين كلمة "وحوى وحوى إياحة"، ومعناها "مرحبًا بقمر الزمان".

وهكذا كلما جاء لمصر وافد عزيز استخدم المصريون تلك الكلمات فى الترحيب، واشتهرت الجملة فى العصر الفاطمى للترحيب بالخليفة المعز لدين الله الفاطمى القادم للإقامة فى مصر، لجعلها مقرًا لخلافته حاملين الفوانيس ومرددين: وحوى يا وحوى إياحة، أى مرحبًا بقمر الزمان، ومع الترحاب تأتي حلوى العصر الفاطمى هى السائدة فى مصر، فالكنافة أو كما كان يطلق عليها كنافة معاوية بن أبى سفيان والذى كان يشعر بالجوع فى رمضان، فأخبره طبيبه بعمل عجينة على شكل خيوط ويغمسها بالعسل فكان أول من صنعها معاوية، ومزجها بالمكسرات والقشدة والعسل لتزيل عنه جوع الأيام.

وعندما جاء الخليفة المعز لدين الله الفاطمى لمصر قدمها له المصريين احتفالًا به، حين خرجوا بالفوانيس وأعجبته وطورها الفاطميون وأصبحت بعد ذلك من أهم حلوى الشهر الكريم بجانب القطايف التى يرجع أصلها إلى العصر المملوكى، حيث كانت المنافسة فى صناعة الحلوى بين الطهاة لتقديمها للأمراء وابتكر أحدهم فطيرة وحشاها مكسرات وقدمها للأمير وضيوفه على شكل شجرة مزينة بها، وسارعوا بقطفها من الصينية الكبيرة، وبذلك أطلق عليها قطايف، وطورها الفاطميون بعد ذلك لتحمل اشكالًا ومذاقات مختلفة، هى والكنافة والتى لا يحلو تناولها إلا فى الشهر الكريم، وبشكل شخصى أعشقها جدًا، مع سماع الابتهالات الرمضانية التى تهفو إليها روحى، وأكثر ما يطربنى روحيًا صوت المبتهل الراحل سيد النقشبندى وأنشودة مولاى.

مولاى إنى ببابك قد بسطت يدى، والتى تحلو في كل وقت رمضان أو غير رمضان، وتلك الأنشودة سببها الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذى كان يحتفل بخطبة إحدى بناته فى قصره بالقناطر الخيرية في صيف عام ١٩٧٢، وكان من بين المدعوين الموسيقار الراحل بليغ حمدى والشيخ سيد النقشبندى والأستاذ الراحل الإذاعي الكبير وجدى الحكيم واقترب السادات من الثلاثة وقال بصوت عال: "يا بليغ عايز أسمع لحن منك يغنيه الشيخ النقشبندى"، ونظر السادات إلى الأستاذ وجدى الحكيم وطلب منه فتح استوديو مصر للموسيقار والشيخ ليبدأ العمل، ولم يكن الشيخ النقشبندى مرحبًا بالتعاون مع بليغ حمدى، وكان يصفه بالسكير، وأبلغ النقشبندى وجدى الحكيم بأنه لن ينشد من ألحان بليغ حمدى السكير بتاع الهشك بشك، فرد وجدى الحكيم قائلًا له: "إذًا لابد أن نخبر الرئيس السادات بذلك"، وفورًا تراجع النقشبندى خشية غضب السادات.

فى اليوم التالى اجتمع الثلاثة فى استوديو مصر، غير أن وجدى الحكيم لاحظ تجهمًا وتكشيرة على وجه النقشبندى عند استقباله بليغ حمدى، وهمس وجدى الحكيم في أذن النقشبندى وأخبره أنه سيتركه مع بليغ وحدهما فى غرفه، وسيدخل عليهما بعد نصف ساعة على أن تكون بينهما إشارة إذا راق لحن بليغ حمدى للنقشبندي فتكون الإشارة أن يخلع العمامة ويضعها جانبه، وإذا لم يعجبه لحن بليغ تظل العمامة على رأسه.

واصطحب وجدى الحكيم الرجلين إلى غرفة منفصلة، وترك لهما المكان وانصرف على أن يعود بعد نصف ساعة، وإذا كان الشيخ خلع العمامة فهو مرحب بالعمل مع بليغ، وإذا كان لا يزال يرتديها فهو غير مرحب بالعمل مع بليغ، وبذلك ينتهى اللقاء ويتم ابلاغ الرئيس باستحالة التوافق بينهما.

عندما تم إغلاق الباب عليهما قال بليغ حمدى للنقشبندى: "أنا أعلم أنك لا ترحب بالعمل معى، لكنى سوف أعطيك لحنا سيظل معك مائة عام يردده المصريون"، وأخرج بليغ حمدى كلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفى وهي:
مولاى إني ببابك قد بسطت يدى..
من لى ألوذ به إلاك يا سندى..

وغناها للنقشبندى والذى قام بترديدها فرحًا ومنتشيًا بالعمل الجديد، وفجأة طرق وجدى الحكيم الباب ليجد الشيخ النقشبندى وقد خلع العمامة والعباءة وجلس على الأرض بالملابس الداخلية يتغنى بكلمات الأنشودة، وظهرت علامات السعادة على الجميع، وأخبر وجدى الحكيم الرئيس السادات بالأمر، وكان أول من سمعها لحبه فى سماع الأناشيد والابتهالات الدينية، وتحققت نبوءة الموسيقار الراحل بليغ حمدى للمبتهل الراحل سيد النقشبندي بحياة لحن الأنشودة الدينية وترديد المصريين لها.

رحم الله الجميع.
وكل عام وأنتم بخير ورمضان كريم.